تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 529

مساهمون:

ص٥٢٩
حقيقة الإيمان لا يتم تمامها في قلب حتى يتعرض لمجاهدة الناس في أمر هذا الإيمان . لأنه يجاهد نفسه أولا في أثناء مجاهدته للناس ؛ وتتفتح له في الإيمان آفاق لم تكن لتتفتح له أبدا ، وهو قاعد آمن سالم ؛ وتتبين له حقائق في الناس ، وفي الحياة ، لم تكن لتتبين له أبدا بغير هذه الوسيلة ؛ ويبلغ هو بنفسه وبمشاعره وتصوراته ، وبعاداته وطباعه ، وبانفعالاته واستجاباته ، ما لم يكن ليبلغه أبدا ، بدون هذه التجربة الشاقة المريرة . وحقيقة الإيمان لا يتم تمامها في جماعة ، حتى تتعرض للتجربة والامتحان والابتلاء ، وحتى يتعرف كل فرد فيها على حقيقة طاقته ، وعلى حقيقة غايته ؛ ثم تتعرف هي على حقيقة اللبنات التي تتألف منها . مدى احتمال كل لبنة ، ثم مدى تماسك هذه اللبنات في ساعة الصدام . وهذا ما أراد اللّه - سبحانه - أن يعلمه للجماعة المسلمة ، وهو يربيها بالأحداث في « أحد » وبالتعقيب على هذه الأحداث في هذه السورة . وهو يقول لها ، بعد بيان السبب الظاهر في ما أصابها :
« وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ ، وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا »
. . وهو يقول :
« ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ »
. ثم . . وهو يردهم إلى قدر اللّه وحكمته من وراء الأسباب والوقائع جميعا ؛ فيردهم إلى حقيقة الإيمان الكبرى التي لا يتم إلا باستقرارها في النفس المؤمنة :
« إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ، وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ . وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ، وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ . وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ، وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ »
. . وإذن فهو - في النهاية - قدر اللّه وتدبيره وحكمته ، من وراء الأسباب والأحداث والأشخاص والحركات . . وهو التصور الإسلامي الشامل الكامل ، يستقر في النفس من وراء الأحداث ، والتعقيب المنير على هذه الأحداث . 2 - وتمخضت المعركة والتعقيب عليها عن حقيقة أساسية كبيرة عن طبيعة النفس البشرية وطبيعة الفطرة الإنسانية ، وطبيعة الجهد البشري ، ومدى ما يمكن أن يبلغه في تحقيق المنهج الإلهي : إن النفس البشرية ليست كاملة - في واقعها - ولكنها في الوقت ذاته قابلة للنمو والارتقاء ، حتى تبلغ أقصى الكمال المقدر لها في هذه الأرض . وها نحن أولاء نرى قطاعا من قطاعات البشرية - كما هو وعلى الطبيعة - ممثلا في الجماعة التي تمثل قمة الأمة التي يقول اللّه عنها :
« كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ »
. . وهم أصحاب محمد - صلى اللّه عليه وسلم - المثل الكامل للنفس البشرية على الإطلاق . . فما ذا نرى ؟ نرى مجموعة من البشر ، فيهم الضعف وفيهم النقص ، وفيهم من يبلغ أن يقول اللّه عنهم :
« إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ »
. ومن يبلغ أن يقول اللّه عنهم :
« حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ ، وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ ، مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ، ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ »
. . وفيهم من يقول اللّه عنهم :
« إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا ، وَاللَّهُ وَلِيُّهُما ، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ »
. . وفيهم من ينهزم وينكشف ، وتبلغ منهم الهزيمة ما وصفه اللّه سبحانه بقوله :
« إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ ، وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ . فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ »
. . وكل هؤلاء مؤمنون مسلمون ؛ ولكنهم كانوا في أوائل الطريق . كانوا في دور التربية والتكوين . ولكنهم كانوا جادين في أخذ هذا الأمر ، مسلمين أمرهم للّه ، مرتضين قيادته ، ومستسلمين لمنهجه . ومن ثم لم يطردهم اللّه من كنفه ، بل رحمهم وعفا عنهم ؛ وأمر نبيه - صلى اللّه عليه وسلم - أن يعفو عنهم ، ويستغفر لهم ، وأمره أن يشاورهم في الأمر ، بعد كل ما وقع منهم ، وبعد كل ما وقع من جراء المشورة ! نعم إنه - سبحانه -
في ظلال القرآن — صفحة 529 | سيد قطب