البشري على ضوئها ؛ فيفقه خط سير التاريخ من ناحية ، ويعرف كيف يوجه هذا الخط من ناحية أخرى .
هذا المنهج الإلهي الذي يمثله الإسلام - كما جاء به محمد - صلى اللّه عليه وسلم - لا يتحقق في الأرض في دنيا الناس ، بمجرد تنزله من عند اللّه . ولا يتحقق بمجرد إبلاغه للناس وبيانه . ولا يتحقق بالقهر الإلهي على نحو ما يمضي اللّه ناموسه في دورة الفلك وسير الكواكب ، وترتب النتائج على أسبابها الطبيعية . . إنما يتحقق بأن تحمله مجموعة من البشر ، تؤمن به إيمانا كاملا ، وتستقيم عليه - بقدر طاقتها - وتجعله وظيفة حياتها وغاية آمالها ؛ وتجهد لتحقيقه في قلوب الآخرين وفي حياتهم العملية كذلك ؛ وتجاهد لهذه الغاية بحيث لا تستبقي جهدا ولا طاقة . . تجاهد الضعف البشري ، والهوى البشري ، والجهل البشري في أنفسها وأنفس الآخرين .
وتجاهد الذين يدفعهم الضعف والهوى والجهل للوقوف في وجه هذا المنهج . . وتبلغ - بعد ذلك كله - من تحقيق هذا المنهج الإلهي إلى الحد والمستوي الذي تطيقه فطرة البشر . على أن تبدأ بالبشر من النقطة التي هم فيها فعلا ؛ ولا تغفل واقعهم ، ومقتضيات هذا الواقع ، في سير مراحل هذا المنهج وتتابعها . . ثم تنتصر هذه المجموعة على نفسها وعلى نفوس الناس معها تارة ؛ وتنهزم في المعركة مع نفسها أو مع نفوس الناس تارة .
بقدر ما تبذل من الجهد ؛ وبقدر ما تتخذ من الأساليب العملية ؛ وبقدر ما توفق في اختيار هذه الأساليب . .
وقبل كل شيء ، وقبل كل جهد ، وقبل كل وسيلة . . هنالك عنصر آخر : هو مدى تجرد هذه المجموعة لهذا الغرض . ومدى تمثيلها لحقيقة هذا المنهج في ذات نفسها ؛ ومدى ارتباطها باللّه صاحب هذا المنهج ، وثقتها به ، وتوكلها عليه .
هذه هي حقيقة هذا الدين وطريقته ، وهذه هي خطته الحركية ووسيلته . .
وهذه هي الحقيقة التي شاء اللّه أن يعلمها للجماعة المسلمة ، وهو يربيها بأحداث معركة أحد ؛ وبالتعقيب على هذه الأحداث . .
حينما قصرت في تمثيل حقيقة هذا الدين في ذات نفسها في بعض مواقف المعركة . وحينما قصرت في اتخاذ الوسائل العملية في بعض مواقفها . وحينما غفلت عن تلك الحقيقة الأولية أو نسيتها ؛ وفهمت أنه من مقتضى كونها مسلمة أن تنتصر حتما بغض النظر عن تصورها وتصرفها - حينئذ تركها اللّه تلاقي الهزيمة ؛ وتعاني آلامها المريرة . ثم جاء التعقيب القرآني يردها إلى تلك الحقيقة :
« أَ وَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ : أَنَّى هذا ؟ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ . إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ »
. .
ولكنه - كما قلنا في سياق الاستعراض للنصوص - لا يترك المسلمين عند هذه النقطة ، بل يصلهم بقدر اللّه من وراء الأسباب والنتائج ؛ ويكشف لهم عن إرادة الخير بهم من وراء الابتلاء ، الذي وقع بأسبابه الظاهرة من تصرفاتهم الواقعة . .
إن ترك المنهج الإلهي يعمل ويتحقق عن طريق الجهد البشري ، ويتأثر بتصرف البشر إزاءه . . هو خير في عمومه ، فهو يصلح الحياة البشرية ولا يفسدها أو يعطلها ؛ ويصلح الفطرة البشرية ويوقظها ويردها إلى سوائها . .
ذلك أن حقيقة الإيمان لا يتم تمامها في قلب حتى يتعرض لمجاهدة الناس في أمر هذا الإيمان . مجاهدتهم باللسان بالتبليغ والبيان ؛ ومجاهدتهم باليد لدفعهم من طريق الهدى حين يعترضونه بالقوة الباغية . . وحتى يتعرض في هذه المجاهدة للابتلاء والصبر على الجهد ، والصبر على الأذى ، والصبر على الهزيمة ، والصبر على النصر أيضا - فالصبر على النصر أشق من الصبر على الهزيمة - وحتى يتمحص القلب ، ويتميز الصف ، وتستقيم الجماعة على الطريق ، وتمضي فيه راشدة صاعدة ، متوكلة على اللّه .