تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 523

مساهمون:

ص٥٢٣
الأجر لمن يمضي مع الابتلاء ويثبت . . فهو الكسب للحق والخسار للباطل ، مضاعفا هذا وذاك ! هنا وهناك !
« وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ، إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً ، يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ ، وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ »
. . إنه يواسي النبي - صلى اللّه عليه وسلم - ويدفع عنه الحزن الذي يساور خاطره ؛ وهو يرى المغالين في الكفر ، يسارعون فيه ، ويمضون بعنف واندفاع وسرعة ، كأنما هنالك هدف منصوب لهم يسارعون إلى بلوغه ! وهو تعبير مصور لحالة نفسية واقعية . فبعض الناس يرى مشتدا في طريق الكفر والباطل والشر والمعصية ؛ كأنه يجهد لنيل السبق فيه ! فهو يمضي في عنف واندفاع وحماسة كأن هناك من يطارده من الخلف ، أو من يهتف له من الأمام ، إلى جائزة تنال ! وكان الحزن يساور قلب رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - حسرة على هؤلاء العباد ؛ الذين يراهم مشمرين ساعين إلى النار ، وهو لا يملك لهم ردا ، وهم لا يسمعون له نذارة ! وكان الحزن يساور قلبه كذلك لما يثيره هؤلاء المشمرون إلى النار المسارعون في الكفر ، من الشر والأذى يصيب المسلمين ، ويصيب دعوة اللّه ، وسيرها بين الجماهير ، التي كانت تنتظر نتائج المعركة مع قريش لتختار الصف الذي تنحاز إليه في النهاية . . فلما أسلمت قريش واستسلمت دخل الناس في دين اللّه أفواجا . . ومما لا شك فيه أنه كان لهذه الاعتبارات وقعها في قلب الرسول الكريم . فيطمئن اللّه رسوله - صلى اللّه عليه وسلم - ويواسي قلبه ، ويمسح عنه الحزن الذي يساوره .
« وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ . إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً »
. . وهؤلاء العباد المهازيل لا يبلغون أن يضروا اللّه شيئا . والأمر في هذا لا يحتاج إلى بيان . إنما يريد اللّه سبحانه أن يجعل قضية العقيدة قضيته هو ؛ وأن يجعل المعركة مع المشركين معركته هو . ويريد أن يرفع عبء هذه العقيدة وعبء هذه المعركة عن عاتق الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وعاتق المسلمين جملة . . فالذين يسارعون في الكفر يحاربون اللّه ، وهم أضعف من أن يضروا اللّه شيئا . . وهم إذن لن يضروا دعوته . ولن يضروا حملة هذه الدعوة . مهما سارعوا في الكفر ، ومهما أصابوا أولياء اللّه بالأذى . إذن لما ذا يتركهم اللّه يذهبون ناجين ، وينتفشون غالبين ، وهم أعداؤه المباشرون ؟ لأنه يدبر لهم ما هو أنكى وأخزى !
« يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ »
. . يريد لهم أن يستنفدوا رصيدهم كله ؛ وأن يحملوا وزرهم كله ، وأن يستحقوا عذابهم كله ، وأن يمضوا مسارعين في الكفر إلى نهاية الطريق !
« وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ »
. . ولما ذا يريد اللّه بهم هذه النهاية الفظيعة ؟ لأنهم استحقوها بشرائهم الكفر بالإيمان .
« إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ »
. . ولقد كان الإيمان في متناول أيديهم . دلائله مبثوثة في صفحات الكون ، وفي أعماق الفطرة . وأماراته قائمة في « تصميم » هذا الوجود العجيب ، وفي تناسقه وتكامله الغريب ، وقائمة كذلك في « تصميم » الفطرة المباشرة ، وتجاوبها مع هذا الوجود ، وشعورها باليد الصانعة ، وبطابع الصنعة البارعة . . ثم إن الدعوة إلى الإيمان - بعد هذا كله - قائمة على لسان الرسل ، وقائمة في طبيعة الدعوة وما فيها من تلبية الفطرة ، ومن جمال