تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 522

مساهمون:

ص٥٢٢
176 - وأخيرا يتجه السياق في ختام الاستعراض والتعقيب ، إلى الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - يسليه ويؤسيه عما يقع في قلبه الكريم من الأسى والحزن ، من مسارعة الكفار إلى الكفار ، ونشاطهم فيه كأنهم في سباق إلى هدف ! فإن هذا لن يضر اللّه شيئا . وإنما هي فتنة اللّه لهم ، وقدر اللّه بهم ، فقد علم اللّه من أمرهم وكفرهم ما يؤهلهم للحرمان في الآخرة ؛ فتركهم يسارعون في الكفر إلى نهايته ! وقد كان الهدى مبذولا لهم ، فآثروا عليه الكفر ؛ فتركوا يسارعون في الكفر . وأملي لهم ليزدادوا إثما مع الإملاء في الزمن والإملاء في الرخاء . فهذا الإمهال والإملاء إنما هو وبال عليهم وبلاء . . ويختم الاستعراض بكشف حكمة اللّه وتدبيره من وراء الأحداث كلها : من وراء ابتلاء المؤمنين وإمهال الكافرين . إنها تمييز الخبيث من الطيب ، بالاختبار والابتلاء ، فقد كان أمر القلوب غيبا مما يستأثر اللّه به ، ولا يطلع الناس عليه ، فشاء سبحانه أن يكشف هذا الغيب بالصورة المناسبة للبشر ، وبالوسيلة التي يدركها البشر . . فكان الابتلاء للمؤمنين والإمهال للكافرين ، ليتكشف المخبوء في القلوب ، ويتميز الخبيث من الطيب ؛ ويتبين المؤمنون باللّه ورسله على وجه القطع واليقين :
« وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ، إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً ، يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ ، وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ . إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً ، وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ . وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ ، إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً ، وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ . ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ ، حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ، وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ ، وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ ، فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ، وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ »
. . إن هذا الختام هو أنسب ختام لاستعراض الغزوة التي أصيب فيها المسلمون هذه الإصابة ؛ والتي رجع منها المشركون بالنصر والغلبة . . فهناك دائما تلك الشبهة الكاذبة التي تحيك في بعض الصدور ؛ أو الأمنية العاتبة التي تهمس في بعض القلوب ، أمام المعارك التي تنشب بين الحق والباطل . ثم يعود فيها الحق بمثل هذه الإصابة ، ويعود منها الباطل ذا صولة وجولة ! هناك دائما الشبهة الكاذبة ، أو الأمنية العاتبة : لما ذا يا رب ؟ لما ذا يصاب الحق وينجو الباطل ؟ لما ذا يبتلى أهل الحق وينجو أهل الباطل ؟ ولما ذا لا ينتصر الحق كلما التقى مع الباطل ، ويعود بالغلبة والغنيمة ؟ أليس هو الحق الذي ينبغي أن ينتصر ؟ وفيم تكون للباطل هذه الصولة ؟ وفيم يعود الباطل من صدامه مع الحق بهذه النتيجة ، وفيها فتنة للقلوب وهزة ؟ ! ولقد وقع بالفعل أن قال المسلمون يوم أحد في دهشة واستغراب :
« أَنَّى هذا ؟ ! »
. . ففي هذا المقطع الختامي يجيء الجواب الأخير ، والبيان الأخير . ويريح اللّه القلوب المتعبة ، ويجلو كل خاطرة تتدسس إلى القلوب من هذه الناحية ، ويبين سنته وقدره وتدبيره في الأمر كله : أمس واليوم وغدا وحيثما التقى الحق والباطل في معركة فانتهت بمثل هذه النهاية : إن ذهاب الباطل ناجيا في معركة من المعارك . وبقاءه منتفشا فترة من الزمان ، ليس معناه أن اللّه تاركه ، أو أنه من القوة بحيث لا يغلب ، أو بحيث يضر الحق ضررا باقيا قاضيا . . وإن ذهاب الحق مبتلى في معركة من المعارك ، وبقاءه ضعيف الحول فترة من الزمان ، ليس معناه أن اللّه مجافيه أو ناسيه ! أو أنه متروك للباطل يقتله ويرديه . . كلا . إنما هي حكمة وتدبير . . هنا وهناك . . يملى للباطل ليمضي إلى نهاية الطريق ؛ وليرتكب أبشع الآثام ، وليحمل أثقل الأوزار ، ولينال أشد العذاب باستحقاق ! . . ويبتلى الحق ، ليميز الخبيث من الطيب ، ويعظم
في ظلال القرآن — صفحة 522 | سيد قطب