ولم يكن أقوى في التعبير عن ميلاد هذه الحقيقة من خروج هؤلاء الذين استجابوا للّه والرسول من بعد ما أصابهم القرح . ومن خروجهم بهذه الصورة الناصعة الرائعة الهائلة : صورة التوكل على اللّه وحده وعدم المبالاة بمقالة الناس وتخويفهم لهم من جمع قريش لهم - كما أبلغهم رسل أبي سفيان - وكما هوّل المنافقون في أمر قريش وهو ما لا بد أن يفعلوا - :
173 -
« الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ : إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا : حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ »
. .
هذه الصورة الرائعة الهائلة كانت إعلانا قويا عن ميلاد هذه الحقيقة الكبيرة . وكان هذا بعض ما تشير إليه الخطة النبوية الحكيمة . .
وتحدثنا بعض روايات السيرة عن صور من ذلك القرح ومن تلك الاستجابة :
قال محمد بن إسحاق : حدثني عبد اللّه بن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان أن رجلا من أصحاب رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - من بني عبد الأشهل كان قد شهد أحدا قال :
شهدنا أحدا مع رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أنا وأخي ، فرجعنا جريحين . فلما أذن مؤذن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بالخروج في طلب العدو ، قلت لأخي - أو قال لي - أتفوتنا غزوة مع رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم ؟ - واللّه ما لنا من دابة نركبها ، وما منا إلا جريح ثقيل . فخرجنا مع رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وكنت أيسر جراحا منه ، فكان إذا غلب حملته عقبة . . حتى انتهيا إلى ما انتهى إليه المسلمون .
وقال محمد بن إسحاق : كان يوم أحد يوم السبت النصف من شوال ، فلما كان الغد من يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوال ، أذن مؤذن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في الناس بطلب العدو ، وأذن مؤذنه أن لا يخرجن معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس . فكلمه جابر بن عبد اللّه بن عمرو بن حرام .
فقال : يا رسول اللّه إن أبي كان خلفني على أخوات لي سبع . وقال : يا بني إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة ولا رجل فيهن . ولست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - على نفسي .
فتخلف على إخوتك . فتخلفت عليهن . . فأذن له رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فخرج معه . .
173 - وهكذا تتضافر مثل هذه الصور الرفيعة على إعلان ميلاد تلك الحقيقة الكبيرة ، في تلك النفوس الكبيرة .
النفوس التي لا تعرف إلا اللّه وكيلا ، وترضى به وحده وتكتفي ، وتزداد إيمانا به في ساعة الشدة ، وتقول في مواجهة تخويف الناس لهم بالناس :
« حَسْبُنَا اللَّهُ ، وَنِعْمَ الْوَكِيلُ »
. .
174 - ثم تكون العاقبة كما هو المنتظر من وعد اللّه للمتوكلين عليه ، المكتفين به ، المتجردين له :
« فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ »
.
فأصابوا النجاة - لم يمسسهم سوء - ونالوا رضوان اللّه . وعادوا بالنجاة والرضى .
« بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ »
. .
فهنا يردهم إلى السبب الأولى في العطاء : نعمة اللّه وفضله على من يشاء . ومع التنويه بموقفهم الرائع ، فإنه يرد الأمر إلى نعمة اللّه وفضله ، لأن هذا هو الأصل الكبير ، الذي يرجع إليه كل فضل ، وما موقفهم ذاك إلا طرف من هذا الفضل الجزيل !
« وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ »
. .