التناسق ، ومن صلاحية للحياة والناس . .
أجل كان الإيمان مبذولا لهم ، فباعوه واشتروا به الكفر ، على علم وعن بينة ، ومن هنا استحقوا أن يتركهم اللّه يسارعون في الكفر ، ليستنفدوا رصيدهم كله ، ولا يستبقوا لهم حظا من ثواب الآخرة . ومن هنا كذلك كانوا أضعف من أن يضروا اللّه شيئا . فهم في ضلالة كاملة ليس معهم من الحق شيء . ولم ينزل اللّه بالضلالة سلطانا ؛ ولم يجعل في الباطل قوة . فهم أضعف من أن يضروا أولياء اللّه ودعوته ، بهذه القوة الضئيلة الهزيلة ، مهما انتفشت ، ومهما أوقعت بالمؤمنين من أذى وقتي إلى حين !
« وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ »
. .
أشد إيلاما - بما لا يقاس - مما يملكون إيقاعه بالمؤمنين من آلام ! 178 -
« وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ . إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً . وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ »
. .
وفي هذه الآية يصل السياق إلى العقدة التي تحيك في بعض الصدور ، والشبهة التي تجول في بعض القلوب ، والعتاب الذي تجيش به بعض الأرواح ، وهي ترى أعداء اللّه وأعداء الحق ، متروكين لا يأخذهم العذاب ، ممتعين في ظاهر الأمر ، بالقوة والسلطة والمال والجاه ! مما يوقع الفتنة في قلوبهم وفي قلوب الناس من حولهم ؛ ومما يجعل ضعاف الإيمان يظنون باللّه غير الحق ظن الجاهلية ؛ يحسبون أن اللّه - حاشاه - يرضى عن الباطل والشر والجحود والطغيان ، فيملي له ويرخي له العنان ! أو يحسبون أن اللّه - سبحانه - لا يتدخل في المعركة بين الحق والباطل ، فيدع للباطل أن يحطم الحق ، ولا يتدخل لنصرته ! أو يحسبون أن هذا الباطل حق ، وإلا فلم تركه اللّه ينمو ويكبر ويغلب ؟ ! أو يحسبون أن من شأن الباطل أن يغلب على الحق في هذه الأرض ، وأن ليس من شأن الحق أن ينتصر ! ثم . . يدع المبطلين الظلمة الطغاة المفسدين ، يلجون في عتوهم ، ويسارعون في كفرهم ، ويلجون في طغيانهم ، ويظنون أن الأمر قد استقام لهم ، وأن ليس هنالك من قوة تقوى على الوقوف في وجههم ! ! ! وهذا كله وهم باطل ، وظن باللّه غير الحق ، والأمر ليس كذلك . وها هو ذا اللّه سبحانه وتعالى يحذر الذين كفروا أن يظنوا هذا الظن . . إنه إذا كان اللّه لا يأخذهم بكفرهم الذي يسارعون فيه ، وإذا كان يعطيهم حظا في الدنيا يستمتعون به ويلهون فيه . . إذا كان اللّه يأخذهم بهذا الابتلاء ، فإنما هي الفتنة ؛ وإنما هو الكيد المتين ، وإنما هو الاستدراج البعيد :
« وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ . . إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً »
! ولو كانوا يستحقون أن يخرجهم اللّه من غمرة النعمة ، بالابتلاء الموقظ ، لابتلاهم . . ولكنه لا يريد بهم خيرا ، وقد اشتروا الكفر بالإيمان ، وسارعوا في الكفر واجتهدوا فيه ! فلم يعودوا يستحقون أن يوقظهم اللّه من هذه الغمرة - غمرة النعمة والسلطان - بالابتلاء !
« وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ »
. .
والإهانة هي المقابل لما هم فيه من مقام ومكانة ونعماء .
وهكذا يتكشف أن الابتلاء من اللّه نعمة لا تصيب إلا من يريد له اللّه به الخير . فإذا أصابت أولياءه ، فإنما تصيبهم لخير يريده اللّه لهم - ولو وقع الابتلاء مترتبا على تصرفات هؤلاء الأولياء - فهناك الحكمة المغيبة والتدبير اللطيف ، وفضل اللّه على أوليائه المؤمنين .