آدميتهم ، ويقيم نظام حياتهم كله على أساس هذا التكريم ، الذي جاءهم هدية ومنة من لدن ربهم الكريم .
والذي أفاضوه هم على البشرية كلها بعد ذلك ، وعلموها كيف تحترم « الإنسان » وتكرمه بتكريم اللّه . غير مسبوقين في هذا ، لا في الجزيرة العربية ، ولا في أي مكان . . وفي اللفتة السابقة إلى « الشورى » طرف من هذا المنهج الإلهي ، الذي كانوا يدركون فيه عظم المنة عليهم من اللّه .
وكانوا يدركون أن الإسلام - والإسلام وحده - هو الذي جعل لهم رسالة يقدمونها للعالم ، ونظرية للحياة البشرية ، ومذهبا مميزا للحياة الإنسانية . . والأمة لا توجد في الحقل الإنساني الكبير إلا برسالة ونظرية ومذهب ، تقدمه للبشرية ، لتدفع بالبشرية إلى الأمام .
وقد كان الإسلام ، وتصوره للوجود ، ورأيه في الحياة ، وشريعته للمجتمع ، وتنظيمه للحياة البشرية ، ومنهجه المثالي الواقعي الإيجابي لإقامة نظام يسعد في ظله « الإنسان » . . كان الإسلام بخصائصه هذه هو « بطاقة الشخصية » التي تقدم بها العرب للعالم ، فعرفهم ، واحترمهم ، وسلمهم القيادة .
وهم اليوم وغدا لا يحملون إلا هذه البطاقة . ليست لهم رسالة غيرها يتعرفون بها إلى العالم . وهم إما أن يحملوها فتعرفهم البشرية وتكرمهم ؛ وإما أن ينبذوها فيعودوا هملا - كما كانوا - لا يعرفهم أحد ، ولا يعترف بهم أحد ! وما الذي يقدمونه للبشرية حين لا يتقدمون إليها بهذه الرسالة ؟
يقدمون لها عبقريات في الآداب والفنون والعلوم ؟ لقد سبقتهم شعوب الأرض في هذه الحقول . والبشرية تغص بالعبقريات في هذه الحقول الفرعية للحياة . وليست في حاجة ولا في انتظار إلى عبقريات من هناك في هذه الحقول الفرعية للحياة ! يقدمون لها عبقريات في الإنتاج الصناعي المتفوق ، تنحني له الجباه ، ويغرقون به أسواقها ، ويغطون به على ما عنده من إنتاج ؟ ؟ لقد سبقتهم شعوب كثيرة ، في يدها عجلة القيادة في هذا المضمار ! يقدمون لها فلسفة مذهبية اجتماعية ، ومناهج اقتصادية وتنظيمية من صنع أيديهم ، ومن وحي أفكارهم البشرية ؟ إن الأرض تعج بالفلسفات والمذاهب والمناهج الأرضية . وتشقى بها جميعا غاية الشقاء ! ما ذا إذن يقدمون للبشرية لتعرفهم به ، وتعترف لهم بالسبق والتفوق والامتياز ؟
لا شيء إلا هذه الرسالة الكبيرة . لا شيء إلا هذا المنهج الفريد . لا شيء إلا هذه المنة التي اختارهم اللّه لها ، وأكرمهم بها ، وأنقذ بها البشرية كلها على أيديهم ذات يوم . والبشرية اليوم أحوج ما تكون إليها ، وهي تتردى في هاوية الشقاء والحيرة والقلق والإفلاس ! إنها - وحدها - بطاقة الشخصية التي تقدموا بها قديما للبشرية ، فأحنت لها هامتها . والتي يمكن أن يقدموها لها اليوم ، فيكون فيها الخلاص والإنقاذ .
إن لكل أمة من الأمم الكبيرة رسالة . وأكبر أمة هي التي تحمل أكبر رسالة . وهي التي تقدم أكبر منهج .
وهي التي تتفرد في الأرض بأرفع مذهب للحياة .
والعرب يملكون هذه الرسالة - وهم فيها أصلاء ، وغيرهم من الشعوب هم شركاء - فأي شيطان يا ترى يصرفهم عن هذا الرصيد الضخم ؟ أي شيطان ؟ ! لقد كانت المنة الإلهية على هذه الأمة بهذا الرسول وبهذه الرسالة عظيمة عظيمة . وما يمكن أن يصرفها عن هذه المنة إلا شيطان . . وهي مكلفة من ربها بمطاردة الشيطان !
في ظلال القرآن — صفحة 512
مساهمون: سيد قطب
ص٥١٢