شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ، ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ »
. .
وكانت قبل هذا التحريم حلالا لبني إسرائيل .
يردهم اللّه سبحانه إلى هذه الحقيقة ، ليبين أن الأصل في هذه المطاعم هو الحل ، وأنها إنما حرمت عليهم لملابسات خاصة بهم . فإذا أحلها للمسلمين فهذا هو الأصل الذي لا يثير الاعتراض ، ولا الشك في صحة هذا القرآن ، وهذه الشريعة الإلهية الأخيرة .
ويتحداهم أن يرجعوا إلى التوراة ، وأن يأتوا بها ليقرءوها ، وسيجدون فيها أن أسباب التحريم خاصة بهم ، وليست عامة .
« قُلْ : فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ »
. .
94 - ثم يهدد من يفتري الكذب منهم على اللّه بأنه إذن ظالم ، لا ينصف الحقيقة ، ولا ينصف نفسه ، ولا ينصف الناس . وعقاب الظالم معروف ، فيكفي أن يوصموا بهذه الوصمة ، ليتقرر نوع العذاب الذي ينتظرهم . وهم يفترون الكذب على اللّه . وهم إليه راجعون . .
* * * 95 - كذلك كان اليهود يبدءون ويعيدون في مسألة تحويل القبلة إلى الكعبة ، بعد أن صلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - إلى بيت المقدس حتى الشهر السادس عشر أو السابع عشر من الهجرة . . ومع أن هذا الموضوع قد نوقش مناقشة كاملة وافية في سورة البقرة من قبل ، وتبين أن اتخاذ الكعبة قبلة للمسلمين هو الأصل وهو الأولى ، وأن اتخاذ بيت المقدس هذه الفترة كان لحكمة معينة بينها اللّه في حينها . . مع هذا فقد ظل اليهود يبدءون في هذا الموضوع ويعيدون ، ابتغاء البلبلة والتشكيك واللبس للحق الواضح الصريح - على مثال ما يصنع اليوم أعداء هذا الدين بكل موضوع من موضوعات هذا الدين ! وهنا يرد اللّه عليهم كيدهم ببيان جديد .
« قُلْ : صَدَقَ اللَّهُ ، فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً ، وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ . فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ : مَقامُ إِبْراهِيمَ ، وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً . وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا . وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ »
. .
ولعل الإشارة هنا في قوله :
« قُلْ صَدَقَ اللَّهُ . . »
تعني ما سبق تقريره في هذا الأمر ، من أن هذا البيت بناه إبراهيم وإسماعيل ليكون مثابة للناس وأمنا ، وليكون للمؤمنين بدينه قبلة ومصلى : ومن ثم يجيء الأمر باتباع إبراهيم في ملته . وهي التوحيد الخالص المبرأ من الشرك في كل صورة :
« فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً ، وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ »
.
واليهود كانوا يزعمون أنهم هم ورثة إبراهيم . فها هو ذا القرآن يدلهم على حقيقة دين إبراهيم ؛ وأنه الميل عن كل شرك . ويؤكد هذه الحقيقة مرتين : مرة بأنه كان حنيفا . ومرة بأنه ما كان من المشركين . فما بالهم هم مشركين ! ! 96 - ثم يقرر أن الاتجاه للكعبة هو الأصل . فهي أول بيت وضع في الأرض للعبادة وخصص لها ، مذ أمر اللّه إبراهيم أن يرفع قواعده ، وأن يخصصه للطائفين والعاكفين والركع السجود . وجعله مباركا وجعله هدى