وهو تهديد رعيب ، حين يحس إنسان أن اللّه يشهد عمله . وأنه ليس بغافل عنه . بينما عمله هو الكفر والخداع والإفساد والتضليل ! 99 - ويسجل اللّه تعالى عليهم معرفتهم بالحق الذي يكفرون به ، ويصدون الناس عنه :
« وَأَنْتُمْ شُهَداءُ »
. .
مما يجزم بأنهم كانوا على يقين من صدق ما يكذّبون به ، ومن صلاح ما يصدون الناس عنه . وهو أمر بشع مستنكر ، لا يستحق فاعله ثقة ولا صحبة ، ولا يستأهل إلا الاحتقار والتنديد ! 100 - ولا بد من وقفة أمام وصفه تعالى لهؤلاء القوم بقوله :
« لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً . . . ؟ »
إنها لفتة ذات مغزى كبير . . إن سبيل اللّه هو الطريق المستقيم . وما عداه عوج غير مستقيم . وحين يصد الناس عن سبيل اللّه ؛ وحين يصد المؤمنون عن منهج اللّه ، فإن الأمور كلها تفقد استقامتها ، والموازين كلها تفقد سلامتها ، ولا يكون في الأرض إلا العوج الذي لا يستقيم .
إنه الفساد . فساد الفطرة بانحرافها . وفساد الحياة باعوجاجها . . وهذا الفساد هو حصيلة صد الناس عن سبيل اللّه ، وصد المؤمنين عن منهج اللّه . . وهو فساد في التصور . وفساد في الضمير . وفساد في الخلق . وفساد في السلوك . وفساد في الروابط . وفساد في المعاملات . وفساد في كل ما بين الناس بعضهم وبعض من ارتباطات .
وما بينهم وبين الكون الذي يعيشون فيه من أواصر . . وإما أن يستقيم الناس على منهج اللّه فهي الاستقامة والصلاح والخير ، وإما أن ينحرفوا عنه إلى أية وجهة فهو العوج والفساد والشر . وليس هنالك إلا هاتان الحالتان ، تتعاوران حياة بني الإنسان : استقامة على منهج اللّه فهو الخير والصلاح ، وانحراف عن هذا المنهج فهو الشر والفساد ! * * * 101 - وحين يصل السياق إلى هذا الحد ينهي الجدل مع أهل الكتاب ، ويغفل شأنهم كله . ويتجه إلى الجماعة المسلمة بالخطاب ، والتحذير ، والتنبيه والتوجيه . وبيان خصائص الجماعة المسلمة وقواعد منهجها وتصورها وحياتها ؛ وطبيعة وسائلها لتحقيق المنهج الذي ناطه اللّه بها :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ . وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ؟ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ »
. .
لقد جاءت هذه الأمة المسلمة لتنشئ في الأرض طريقها على منهج اللّه وحده ، متميزة متفردة ظاهرة . لقد انبثق وجودها ابتداء من منهج اللّه ؛ لتؤدي في حياة البشر دورا خاصا لا ينهض به سواها . لقد وجدت لإقرار منهج اللّه في الأرض ، وتحقيقه في صورة عملية ، ذات معالم منظورة ، تترجم فيها النصوص إلى حركات وأعمال ، ومشاعر وأخلاق ، وأوضاع وارتباطات .
وهي لا تحقق غاية وجودها ، ولا تستقيم على طريقها ، ولا تنشئ في الأرض هذه الصورة الوضيئة الفريدة