يلي ذلك التهوين من شأن عدوهم فهم لن يضروهم في دينهم ، ولن يظهروا عليهم ظهورا تاما مستقرا . إنما هو الأذى في جهادهم وكفاحهم ، ثم النصر ما استقاموا على منهجهم . وهؤلاء الأعداء قد ضرب اللّه عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من اللّه ، بسبب ما اقترفوه من الآثام والمعصية وقتل الأنبياء بغير حق . . ويستثني من أهل الكتاب طائفة جنحت للحق ، فآمنت ، واتخذت منهج المسلمين منهجا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسعي في الخيرات . .
« وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ »
. . ويقرر مصير الذين كفروا فلم يجنحوا للإسلام ؛ فهم مأخوذون بكفرهم ، لا تنفعهم أموال ينفقونها ، ولا تغني عنهم أولاد ، وعاقبتهم البوار .
وينتهي الدرس بتحذير الذين آمنوا من اتخاذ بطانة من دونهم ، يودون لهم العنت ، وتنفث أفواههم البغضاء ، وما تخفي صدورهم أكبر ، ويعضون عليهم الأنامل من الغيظ ، ويفرحون لما ينزل بساحتهم من السوء ؛ ويسوؤهم الخير ينال المؤمنين . . ويعدهم اللّه بالكلاءة والحفظ من كيد هؤلاء الأعداء ما صبروا واتقوا
« إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ »
. .
ويدل هذا التوجيه الطويل ، المنوّع الإيحاءات ، على ما كانت تعانيه الجماعة المسلمة حينذاك من كيد أهل الكتاب ودسهم في الصف المسلم ؛ وما كان يحدثه هذا الدس من بلبلة . كما أنه يشي بحاجة الجماعة إلى التوجيه القوي ، كي يتم لها التميز الكامل ، والمفاصلة الحاسمة ، من كافة العلاقات التي كانت تربطها بالجاهلية وبأصدقاء الجاهلية ! ثم يبقى هذا التوجيه يعمل في أجيال هذه الأمة ، ويبقى كل جيل مطالبا بالحذر من أعداء الإسلام التقليديين .
وهم هم تختلف وسائلهم ، ولكنهم لا يختلفون ! * * * 93 -
« كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ - إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ - قُلْ : فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ »
.
لقد كان اليهود يتصيدون كل حجة ، وكل شبهة ، وكل حيلة ، لينفذوا منها إلى الطعن في صحة الرسالة المحمدية ، وإلى بلبلة الأفكار وإشاعة الاضطراب في العقول والقلوب . . فلما قال القرآن : إنه مصدق لما في التوراة برزوا يقولون : فما بال القرآن يحلل من الأطعمة ما حرم على بني إسرائيل ؟ وتذكر الروايات أنهم ذكروا بالذات لحوم الإبل وألبانها . . وهي محرمة على بني إسرائيل . وهناك محرمات أخرى كذلك أحلها اللّه للمسلمين .
وهنا يردهم القرآن إلى الحقيقة التاريخية التي يتجاهلونها للتشكيك في صحة ما جاء في القرآن من أنه مصدق للتوراة ، وأنه مع هذا أحل للمسلمين بعض ما كان محرما على بني إسرائيل . . هذه الحقيقة هي أن كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل - إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة - وإسرائيل هو يعقوب - عليه السلام - وتقول الروايات إنه مرض مرضا شديدا ، فنذر للّه لئن عافاه ليمتنعن - تطوعا - عن لحوم الإبل وألبانها وكانت أحب شيء إلى نفسه . فقبل اللّه منه نذره . وجرت سنة بني إسرائيل على اتباع أبيهم في تحريم ما حرم . . كذلك حرم اللّه على بني إسرائيل مطاعم أخرى عقوبة لهم على معصيات ارتكبوها . وأشير إلى هذه المحرمات في آية « الأنعام » :
« وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ، وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ