تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 432

مساهمون:

ص٤٣٢
تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 119 ) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ( 120 ) في هذا الدرس تبلغ المعركة ذروتها . معركة الجدل والمناظرة مع أهل الكتاب . وهذه الآيات غير داخلة في نطاق مناظرة وفد نجران - كما ذكرت الروايات - ولكنها متساوقة معها ، ومكملة لها ، والموضوع واحد . وإن كانت آيات هذا الدرس تتمحض للحديث عن اليهود خاصة ، وتواجه كيدهم ودسهم للجماعة المسلمة في المدينة . وتنتهي إلى الحسم القاطع ، والمفاصلة الكاملة . حيث يتجه السياق بعد جولة قصيرة في هذا الدرس إلى الجماعة المسلمة يخاطبها وحدها ؛ فيبين لها حقيقتها ، ومنهجها ، وتكاليفها . على نحو ما سار السياق في سورة البقرة بعد استيفاء الحديث عن بني إسرائيل . . وفي هذه الظاهرة تتشابه السورتان . ويبدأ الدرس بتقرير أن كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل - إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة - ويبدو أن هذا التقرير كان ردا على اعتراض بني إسرائيل على إباحة القرآن لبعض المحرمات اليهودية من الطعام . مع أن هذه المحرمات إنما حرمت عليهم وحدهم ، في صورة عقوبة على بعض مخالفاتهم . ثم يرد كذلك على اعتراضهم على تحويل القبلة - ذلك الموضوع الذي استغرق مساحة واسعة في سورة البقرة من قبل - فيبين لهم أن الكعبة هي بيت إبراهيم ؛ وهي أول بيت وضع للناس في الأرض للعبادة ، فالاعتراض عليه مستنكر ممن يدعون وراثة إبراهيم ! وعقب هذا البيان يندد بأهل الكتاب لكفرهم بآيات اللّه ، وصدهم عن سبيل اللّه ؛ ورفضهم الاستقامة ، وميلهم إلى الخطة العوجاء ، ورغبتهم في سيطرتها على الحياة ، وهم يعرفون الحق ولا يجهلونه . ومن ثم يدعو أهل الكتاب جملة ؛ ويتجه إلى الجماعة المسلمة ، يحذرها طاعة أهل الكتاب . . فإنها الكفر . . ولا يليق بالمسلمين الكفر وكتاب اللّه يتلى عليهم ، وفيهم رسوله يعلمهم . ويدعوهم إلى تقوى اللّه ، والحرص على الإسلام حتى الوفاة ولقاء اللّه . ويذكرهم نعمة اللّه عليهم بتأليف قلوبهم ، وتوحيد صفوفهم تحت لواء الإسلام ، بعد ما كانوا فيه من فرقة وخصام ، وهم يومئذ على شفا حفرة من النار أنقذهم منها اللّه بالإسلام . ويأمرهم بأن يكونوا الأمة التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، محافظة على تحقيق منهج اللّه ، مع تحذيرهم الاستماع لدسائس أهل الكتاب فيهم ، فيهلكوا بالفرقة كما تفرق هؤلاء فهلكوا في الدنيا والآخرة . . وتذكر الروايات أن هذا التحذير نزل بمناسبة فتنة معينة بين الأوس والخزرج قام بها اليهود . ثم يعرّف اللّه المسلمين حقيقة مكانهم في هذه الأرض ، وحقيقة دورهم في حياة البشر :
« كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ »
. . فيدلهم بهذا على أصالة دورهم ، وعلى سمة مجتمعهم . .