بسم اللّه الرّحمن الرّحيم يتألف هذا الجزء من بقية سورة آل عمران ، ومن أوائل سورة النساء ، إلى قوله تعالى :
« وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ . . . »
.
وهذه البقية من سورة آل عمران تتألف من أربعة مقاطع رئيسية ، تكمل خط سير السورة ، الذي أفضنا في الحديث عنه في مطلعها - في الجزء الثالث - بما لا مجال لإعادته هنا ، فيرجع إليه هناك . .
فأما المقطع الأول فيمثل طرفا من المعركة الجدلية بين أهل الكتاب والجماعة المسلمة في المدينة ، في تلك الفترة التي رجحنا أن السورة تناولت أحداثها في حياة الجماعة المسلمة - من بعد غزوة بدر في رمضان من العام الثاني للهجرة إلى ما بعد غزوة أحد في شوال من العام الثالث . . هذه المعركة التي شغلت ما مر من السورة كله .
والتي كانت مجالا لتجلية حقيقة التصور الإيماني وحقيقة « الدين » ، وحقيقة « الإسلام » ، وحقيقة منهج اللّه الذي جاء به الإسلام ، وجاء به من قبل كل رسول . كما كانت مجالا لكشف حقيقة « أهل الكتاب » الذين يجادلون النبي - صلى اللّه عليه وسلم - ومن معه ويحاورونهم ؛ وكشف مدى انحرافهم عن دين اللّه ؛ وفضح تدبيرهم للجماعة المسلمة في المدينة ، والدوافع الكامنة وراء هذا التدبير ؛ ثم تحذير الجماعة المسلمة من هذا كله ، بعد تسليط الأنوار عليه ، وتجسيم خطره على الجماعة المسلمة لو غفلت عنه ، واستجابت لأعدائها فيه .
وأما المقطع الثاني - وهو يشغل مساحة كبيرة من السورة كذلك - فهو نقلة إلى معركة أخرى ليست باللسان والكيد والتدبير فقط ؛ ولكنها كذلك بالسيف والرمح والسنان . نقلة إلى « غزوة أحد » وأحداثها والتعقيبات عليها . في أسلوب هو أسلوب القرآن وحده ! وقد نزلت الآيات بعد المعركة ؛ فكانت مجالا لتجلية نواح متعددة من التصور الإيماني ؛ كما كانت مجالا لتربية الجماعة المسلمة على ضوء المعركة ، وعلى ضوء ما كشفته من أخطاء في التصور ، واضطراب في التصرف ، وخلل في الصف . . وفرصة لتوجيه الجماعة المسلمة إلى المضي في طريقها ، واحتمال تبعاتها ، والارتفاع إلى مستوى الأمانة الضخمة التي ناطها اللّه بها ، والوفاء بشكر نعمة اللّه عليها في اصطفائها لهذا الأمر العظيم .
والمقطع الثالث عودة إلى أهل الكتاب ، ونكولهم عن مواثيقهم مع النبي - صلى اللّه عليه وسلم - تلك المواثيق التي كان قد عقدها معهم أول مقدمه إلى المدينة ؛ والتنديد بانحراف تصوراتهم ، وما اجترحوه من الآثام مع أنبيائهم كذلك . ثم تحذير الجماعة المسلمة من متابعتهم ، وتثبيت القلوب المؤمنة على ما ينالها من الابتلاء في النفس والمال ، وإيذاء أهل الكتاب والمشركين وتهوين شأن أعدائها على كل حال .