تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 406

مساهمون:

ص٤٠٦
إنما الجديد هو وصف الذين يتولون عن الحق بأنهم مفسدون ، وتهديدهم بأن اللّه عليم بالمفسدين . . والفساد الذي يتولاه المعرضون عن حقيقة التوحيد فساد عظيم . وما ينشأ في الأرض الفساد - في الواقع - إلا من الحيدة عن الاعتراف بهذه الحقيقة . لا اعتراف اللسان . فاعتراف اللسان لا قيمة له . ولا اعتراف القلب السلبي . فهذا الاعتراف لا ينشئ آثاره الواقعية في حياة الناس . . إنما هي الحيدة عن الاعتراف بهذه الحقيقة بكل آثارها التي تلازمها في واقع الحياة البشرية . . وأول ما يلازم حقيقة التوحيد أن تتوحد الربوبية ، فتتوحد العبودية . . لا عبودية إلا للّه . ولا طاعة إلا للّه . ولا تلقي إلا عن اللّه . فليس إلا للّه تكون العبودية . وليس إلا للّه تكون الطاعة . وليس إلا عن اللّه يكون التلقي . . التلقي في التشريع ، والتلقي في القيم والموازين ، والتلقي في الآداب والأخلاق . والتلقي في كل ما يتعلق بنظام الحياة البشرية . . وإلا فهو الشرك أو الكفر . مهما اعترفت الألسنة ، ومهما اعترفت القلوب الاعتراف السلبي الذي لا ينشئ آثاره في حياة الناس العامة في استسلام وطاعة واستجابة وقبول . إن هذا الكون بجملته لا يستقيم أمره ولا يصلح حاله ، إلا أن يكون هناك إله واحد ، يدبر أمره : و
« لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا »
. . وأظهر خصائص الألوهية بالقياس إلى البشرية : تعبد العبيد ؛ والتشريع لهم في حياتهم ، وإقامة الموازين لهم . فمن ادعى لنفسه شيئا من هذا كله فقد ادعى لنفسه أظهر خصائص الألوهية ؛ وأقام نفسه للناس إلها من دون اللّه . وما يقع الفساد في الأرض كما يقع عندما تتعدد الآلهة في الأرض على هذا النحو . عندما يتعبد الناس الناس . عندما يدعي عبد من العبيد أن له على الناس حق الطاعة لذاته ؛ وأن له فيهم حق التشريع لذاته ؛ وأن له كذلك حق إقامة القيم والموازين لذاته . فهذا هو ادعاء الألوهية ولو لم يقل كما قال فرعون :
« أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى »
. . والإقرار به هو الشرك باللّه أو الكفر به . . وهو الفساد في الأرض أقبح الفساد . 64 - ومن ثم يتلو ذلك التهديد في السياق دعوة أهل الكتاب إلى كلمة سواء : إلى عبادة اللّه وحده ، وعدم الإشراك به ، وألا يتخذ الناس بعضهم بعضا أربابا من دون اللّه . . وإلا فهي المفاصلة التي لا مصاحبة بعدها ولا مجادلة :
« قُلْ : يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ : أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ ، وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً ، وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ . فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا : اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ »
. . وإنها لدعوة منصفة من غير شك . دعوة لا يريد بها النبي - صلى اللّه عليه وسلم - أن يتفضل عليهم هو ومن معه من المسلمين . . كلمة سواء يقف أمامها الجميع على مستوى واحد . لا يعلو بعضهم على بعض ، ولا يتعبد بعضهم بعضا . دعوة لا يأباها إلا متعنت مفسد ، لا يريد أن يفيء إلى الحق القويم . إنها دعوة إلى عبادة اللّه وحده لا يشركون به شيئا . لا بشرا ولا حجرا . ودعوة إلى ألا يتخذ بعضهم بعضا من دون اللّه أربابا . لا نبيا ولا رسولا . فكلهم للّه عبيد . إنما اصطفاهم اللّه للتبليغ عنه ، لا لمشاركته في الألوهية والربوبية .
« فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا : اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ »
. فإن أبوا عبادة اللّه وحده دون شريك . والعبودية للّه وحده دون شريك . وهما المظهران اللذان يقرران موقف العبيد من الألوهية . . إن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون . . وهذه المقابلة بين المسلمين ومن يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون اللّه ، تقرر بوضوح حاسم من هم المسلمون .