تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 403

مساهمون:

ص٤٠٣
عن طريق ادعائه أنه مؤمن بهذا الدين ، وما هو من المؤمنين ! « 1 » * * * 54 - ويمضي السياق إلى خاتمة القصة بين عيسى - عليه السلام - وبني إسرائيل :
« وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ، وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ . إِذْ قالَ اللَّهُ : يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ، وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ، وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ؛ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ، فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ، وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ . وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ »
. . والمكر الذي مكره اليهود الذين لم يؤمنوا برسولهم - عيسى عليه السلام - مكر طويل عريض . فقد قذفوه عليه السلام وقذفوا الطاهرة أمه مع يوسف النجار خطيبها الذي لم يدخل بها كما تذكر الأناجيل . . وقد اتهموه بالكذب والشعوذة ؛ ووشوا به إلى الحاكم الروماني « بيلاطس » وادعوا أنه « مهيج » يدعو الجماهير للانتقاض على الحكومة ! وأنه مشعوذ يجدف ويفسد عقيدة الجماهير ! حتى سلم لهم بيلاطس بأن يتولوا عقابه بأيديهم ، لأنه لم يجرؤ - وهو وثني - على احتمال تبعة هذا الإثم مع رجل لم يجد عليه ريبة . . وهذا قليل من كثير . .
« وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ . وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ »
. . والمشاكلة هنا في اللفظ هي وحدها التي تجمع بين تدبيرهم وتدبير اللّه . . والمكر التدبير . . ليسخر من مكرهم وكيدهم إذا كان الذي يواجهه هو تدبير اللّه . فأين هم من اللّه ؟ وأين مكرهم من تدبير اللّه ؟ 55 - لقد أرادوا صلب عيسى - عليه السلام - وقتله . وأراد اللّه أن يتوفاه ، وأن يرفعه إليه ، وأن يطره من مخالطة الذين كفروا والبقاء بينهم وهم رجس ودنس ، وأن يكرمه فيجعل الذين اتبعوه فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة . . وكان ما أراده اللّه . وأبطل اللّه مكر الماكرين :
« إِذْ قالَ اللَّهُ : يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ، وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ »
. فأما كيف كانت وفاته ، وكيف كان رفعه . . فهي أمور غيبية تدخل في المتشابهات التي لا يعلم تأويلها إلا اللّه . ولا طائل وراء البحث فيها . لا في عقيدة ولا في شريعة . والذين يجرون وراءها ، ويجعلونها مادة للجدل ، ينتهي بهم الحال إلى المراء ، وإلى التخليط ، وإلى التعقيد . دون ما جزم بحقيقة ، ودون ما راحة بال في أمر موكول إلى علم اللّه . وأما أن اللّه جعل الذين اتبعوه فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة . . فلا يصعب القول فيه . فالذين اتبعوه هم الذين يؤمنون بدين اللّه الصحيح . . الإسلام . . الذي عرف حقيقته كل نبي ، وجاء به كل رسول ، وآمن به كل من آمن حقا بدين اللّه . . وهؤلاء فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة في ميزان اللّه . . كما أنهم كذلك في واقع الحياة كلما واجهوا معسكر الكفر بحقيقة الإيمان ، وحقيقة الاتباع . . ودين اللّه واحد . وقد جاء به عيسى بن مريم كما جاء به من قبله ومن بعده كل رسول . والذين يتبعون محمدا - صلى اللّه عليه وسلم -
هامش
( 1 ) يراجع البحث القيم للأستاذ المودودي بعنوان : « شهادة الحق » .
في ظلال القرآن — صفحة 403 | سيد قطب