هم في الوقت ذاته اتبعوا موكب الرسل كلهم . من لدن آدم - عليه السلام - إلى آخر الزمان .
وهذا المفهوم الشامل هو الذي يتفق مع سياق السورة ، ومع حقيقة الدين كما يركز عليها هذا السياق .
فأما نهاية المطاف للمؤمنين والكافرين ، فيقررها السياق في صدد إخبار اللّه لعيسى عليه السلام :
« ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ . فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ . وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ . وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ »
. .
56 - وفي هذا النص تقرير لجدية الجزاء ، وللقسط الذي لا يميل شعرة ، ولا تتعلق به الأماني ولا الافتراء . .
رجعة إلى اللّه لا محيد عنها . وحكم من اللّه فيما اختلفوا فيه لا مرد له . وعذاب شديد في الدنيا والآخرة للكافرين لا ناصر لهم منه . 57 - وتوفية للأجر للذين آمنوا وعملوا الصالحات لا محاباة فيه ولا بخس . .
« وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ »
. . فحاشا أن يظلم وهو لا يحب الظالمين . .
وكل ما يقوله أهل الكتاب إذن من أنهم لن يدخلوا النار إلا أياما معدودات . وكل ما رتبوه على هذا التميع في تصور عدل اللّه في جزائه من أماني خادعة . . باطل باطل لا يقوم على أساس .
* * * 58 - وعندما يصل السياق إلى هذا الحد من قصة عيسى التي تدور حولها المناظرة ويدور حولها الجدل ، يبدأ التعقيب الذي يقرر الحقائق الأساسية المستفادة من هذا القصص ، وينتهي إلى تلقين الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - ما يواجه به أهل الكتاب مواجهة فاصلة تنهي الحوار والجدل ؛ وتستقر على حقيقة ما جاء به ، وما يدعو إليه ، في وضوح كامل وفي يقين :
« ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ . إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ . ثُمَّ قالَ لَهُ : كُنْ . فَيَكُونُ . الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ . فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ : تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ ، وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ ، وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ، ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ، وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ . وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ . قُلْ : يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ : أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ ، وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً ، وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ . فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا : اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ »
. .
وهكذا نجد هذا التعقيب يتضمن ابتداء صدق الوحي الذي يوحى إلى محمد - صلى اللّه عليه وسلم - :
« ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ »
. .
ذلك القصص . وذلك التوجيه القرآني كله . فهو وحي من اللّه . يتلوه اللّه على نبيه - صلى اللّه عليه وسلم - وفي التعبير معنى التكريم والقرب والود . . فما ذا بعد أن يتولى اللّه تعالى التلاوة على محمد نبيه ؟ تلاوة الآيات والذكر الحكيم . . وإنه لحكيم يتولى تقرير الحقائق الكبرى في النفس والحياة بمنهج وأسلوب وطريقة تخاطب الفطرة وتتلطف في الدخول عليها واللصوق بها بشكل غير معهود فيما يصدر عن غير هذا المصدر الفريد .
59 - ثم يحسم التعقيب في حقيقة عيسى عليه السلام ، وفي طبيعة الخلق والإرادة التي تنشئ كل شيء كما أنشأت عيسى عليه السلام :
« إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ . خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ . ثُمَّ قالَ لَهُ : كُنْ فَيَكُونُ »
. .
إن ولادة عيسى عجيبة حقا بالقياس إلى مألوف البشر . ولكن أية غرابة فيها حين تقاس إلى خلق آدم أبي