تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 367

مساهمون:

ص٣٦٧
فأمام هذا الركام من التصورات الفاسدة والمنحرفة التي أشرنا إليها هذه الإشارات الخاطفة جاء الإسلام في هذه السورة - ليعلنها ناصعة واضحة صريحة حاسمة :
« اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ »
. فكانت مفرق الطريق في التصور والاعتقاد . . كذلك كانت مفرق الطريق في الحياة والسلوك . . إن الذي يمتلئ شعوره بوجود اللّه الواحد الذي لا إله إلا هو . الحي الواحد الذي لا حي غيره . القيوم الواحد الذي به تقوم كل حياة أخرى وكل وجود ، كما أنه هو الذي يقوم على كل حي وكل موجود . . إن الذي يمتلئ شعوره بوجود اللّه الواحد الذي هذه صفته ، لا بد أن يختلف منهج حياته ونظامها من الأساس عن الذي تغيم في حسه تلك التصورات التائهة المهوشة . فلا يجد في ضميره أثرا لحقيقة الألوهية الفاعلة المتصرفة في حياته ! إنه مع التوحيد الواضح الخالص لامكان لعبودية إلا للّه . ولامكان للاستمداد والتلقي إلا من اللّه . لا في شريعة أو نظام ، ولا في أدب أو خلق . ولا في اقتصاد أو اجتماع . ولامكان كذلك للتوجه لغير اللّه في شأن من شؤون الحياة ، وما بعد الحياة . . أما في تلك التصورات الزائغة المنحرفة المهزوزة الغامضة فلا متجه ولا قرار ، ولا حدود لحرام أو حلال ، ولا لخطإ أو صواب : في شرع أو نظام ، في أدب أو خلق ، وفي معاملة أو سلوك . . فكلها . . كلها . . إنما تتحدد وتتضح عندما تتحدد الجهة التي منها التلقي ، وإليها التوجه ، ولها الطاعة والعبودية والاستسلام . ومن ثم كانت هذه المواجهة بذلك الحسم في مفرق الطريق :
« اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ »
. . ومن ثم كان التميز والتفرد لطبيعة الحياة الإسلامية - لا لطبيعة الاعتقاد وحده - فالحياة الإسلامية بكل مقوماتها إنما تنبثق انبثاقا من حقيقة هذا التصور الإسلامي عن التوحيد الخالص الجازم . التوحيد الذي لا يستقيم عقيدة في الضمير ما لم تتبعه آثاره العملية في الحياة . من تلقي الشريعة والتوحيد من اللّه في كل شأن من شؤون الحياة . والتوجه كذلك إلى اللّه في كل نشاط وكل اتجاه . 3 - وعقب هذا الإيضاح الحاسم في مفرق الطريق ، بإعلان الوحدانية المطلقة لذات اللّه وصفاته ، يجيء الحديث عن وحدانية الجهة التي تتنزل منها الأديان والكتب والرسالات . أي التي يتنزل منها المنهج الذي يصرف حياة البشر في جميع الأجيال :
« نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ - مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ - وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ - هُدىً لِلنَّاسِ - وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ . إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ . وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ »
. وتتضمن هذه الآية في شطرها الأول جملة حقائق أساسية في التصور الاعتقادي ، وفي الرد كذلك على أهل الكتاب وغيرهم من المنكرين لرسالة محمد - صلى اللّه عليه وسلم - وصحة ما جاء به من عند اللّه . فهي تقرر وحدة الجهة التي تتنزل منها الكتب على الرسل . فاللّه الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ، هو الذي
في ظلال القرآن — صفحة 367 | سيد قطب