وهكذا نرى من طبيعة النصوص أنها مواجهة عامة غير مقيدة بمناسبة واحدة ، هي مناسبة وفد نجران . وقد تكون هذه إحدى المناسبات التي نزلت هذه النصوص لمواجهتها . وهي المناسبات الكثيرة المكررة في الصراع بين الإسلام وخصومه المتعددين في الجزيرة . . وبخاصة اليهود في المدينة . .
ثم يتضمن هذا الدرس الأول إيضاحات قوية لأسس التصور الإسلامي من ناحية العقيدة ، وإلى جانبها إيضاحات قوية كذلك في طبيعة هذه العقيدة وآثارها في الحياة الواقعية . هذه الآثار الملازمة للإيمان بها .
فهي عقيدة التوحيد للّه . ومن ثم تجعل الدين هو الإسلام للّه . ولا دين سواه . . الإسلام بمعنى الاستسلام والطاعة والاتباع . الاستسلام لأمره ، والطاعة لشرعه ، والاتباع لرسوله ومنهجه . فمن لم يستسلم ويطع ويتبع فليس بمسلم ، ومن ثم فليس بصاحب دين يرضاه اللّه . فاللّه لا يرضى إلا الإسلام . والإسلام - كما قلنا - الاستسلام والطاعة والاتباع . . ومن ثم يرد التعجيب والتشهير بأهل الكتاب الذين يدعون إلى كتاب اللّه ليحكم بينهم
« ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ »
. . ويعتبر الإعراض عن تحكيم كتاب اللّه علامة الكفر التي تنفي دعوى الإيمان . الإيمان باللّه على الإطلاق ! والمقطع الثاني في هذا الدرس يدور كله حول هذه الحقيقة الكبيرة . .
فلنأخذ الآن في الاستعراض التفصيلي لنصوص هذا الدرس من السورة :
* * * 1 -
« ألم »
. .
هذه الأحرف المقطعة : ألف . لام . ميم . نختار في تفسيرها - على سبيل الترجيح لا الجزم - ما اخترنا في مثلها في أول سورة البقرة : « إنها إشارة للتنبيه إلى أن هذا الكتاب مؤلف من جنس هذه الأحرف ؛ وهي في متناول المخاطبين به من العرب . ولكنه - مع هذا - هو ذلك الكتاب المعجز ، الذي لا يملكون أن يصوغوا من تلك الحروف مثله . . . إلخ » « 1 » . .
وهذا الوجه الذي اخترناه في تفسير هذه الأحرف في أوائل السور - على سبيل الترجيح لا الجزم - يتمشى معنا بيسر في إدراك مناسبات هذه « الإشارة » في شتى السور . ففي سورة البقرة كانت الإشارة تتضمن التحدي الذي ورد في السورة بعد ذلك :
« وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
. . . إلخ » . .
فأما هنا في سورة « آل عمران » فتبدو مناسبة أخرى لهذه « الإشارة » . . هي أن هذا الكتاب منزل من اللّه الذي لا إله إلا هو . وهو مؤلف من أحرف وكلمات شأنه في هذا شأن ما سبقه من الكتب السماوية التي يعترف بها أهل الكتاب - المخاطبون في السورة - فليس هناك غرابة في أن ينزل اللّه هذا الكتاب على رسوله بهذه الصورة .
* * * 2 -
« اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ . نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ »
هامش
( 1 ) ص 14 - 15 الجزء الأول .