تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 369

مساهمون:

ص٣٦٩
الذي يتولى التصوير ، بمحض إرادته ، ومطلق مشيئته :
« كَيْفَ يَشاءُ »
. .
« لا إِلهَ إِلَّا هُوَ »
. .
« الْعَزِيزُ »
. . ذو القدرة والقوة على الصنع والتصوير
« الْحَكِيمُ »
. . الذي يدبر الأمر بحكمته فيما يصور ويخلق بلا معقب ولا شريك . وفي هذه اللمسة تجلية لشبهات النصارى في عيسى عليه السلام ونشأته ومولده . فاللّه هو الذي صور عيسى . .
« كَيْفَ يَشاءُ »
. . لا أن عيسى هو الرب . أو هو اللّه . أو هو الابن . أو هو الأقنوم اللاهوتي الناسوتي . إلى آخر ما انتهت إليه التصورات المنحرفة الغامضة المجانبة لفكرة التوحيد الناصعة الواضحة اليسيرة التصور القريبة الإدراك ! 7 - بعدئذ يكشف الذين في قلوبهم زيغ ، الذين يتركون الحقائق القاطعة في آيات القرآن المحكمة ، ويتبعون النصوص التي تحتمل التأويل ، ليصوغوا حولها الشبهات ؛ ويصور سمات المؤمنين حقا وإيمانهم الخالص وتسليمهم للّه في كل ما يأتيهم من عنده بلا جدال :
« هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ . مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ ، وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ . فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ . وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ . وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ : آمَنَّا بِهِ . كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا - وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ - رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا ، وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً . إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ . رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ ، إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ »
. . وقد روى أن نصارى نجران قالوا للرسول - صلى اللّه عليه وسلم - ألست تقول عن المسيح : إنه كلمة اللّه وروحه ؟ يريدون أن يتخذوا من هذا التعبير أداة لتثبيت معتقداتهم عن عيسى - عليه السلام - وأنه ليس من البشر ، إنما هو روح اللّه - على ما يفهمون هم من هذا التعبير - بينما هم يتركون الآيات القاطعة المحكمة التي تقرر وحدانية اللّه المطلقة ، وتنفي عنه الشريك والولد في كل صورة من الصور . . فنزلت فيهم هذه الآية ، تكشف محاولتهم هذه في استغلال النصوص المجازية المصورة ، وترك النصوص التجريدية القاطعة . على أن نص الآية أعم من هذه المناسبة ؛ فهي تصور موقف الناس على اختلافهم من هذا الكتاب الذي أنزله اللّه على نبيه - صلى اللّه عليه وسلم - متضمنا حقائق التصور الإيماني ، ومنهاج الحياة الإسلامية ؛ ومتضمنا كذلك أمورا غيبية لا سبيل للعقل البشري أن يدركها بوسائله الخاصة ، ولا مجال له لأن يدرك منها أكثر مما تعطيه النصوص بذاتها . فأما الأصول الدقيقة للعقيدة والشريعة فهي مفهومة المدلولات قاطعة الدلالة ، مدركة المقاصد - وهي أصل هذا الكتاب - وأما السمعيات والغيبيات - ومنها نشأة عيسى عليه السلام ومولده - فقد جاءت للوقوف عند مدلولاتها القريبة والتصديق بها لأنها صادرة من هذا المصدر « الحق » ويصعب إدراك ماهياتها وكيفياتها ، لأنها بطبيعتها فوق وسائل الإدراك الإنساني المحدود . وهنا يختلف الناس - حسب استقامة فطرتهم أو زيغها - في استقبال هذه الآيات وتلك . فأما الذين في قلوبهم زيغ وانحراف وضلال عن سواء الفطرة ، فيتركون الأصول الواضحة الدقيقة التي تقوم عليها العقيدة والشريعة والمنهاج العملي للحياة ، ويجرون وراء المتشابه الذي يعوّل في تصديقه على الإيمان بصدق مصدره ، والتسليم بأنه هو الذي يعلم « الحق » كله ، بينما الإدراك البشري نسبي محدود المجال . كما يعول فيه على استقامة الفطرة التي تدرك بالإلهام المباشر صدق هذا الكتاب كله ، وأنه نزل بالحق لا يأتيه الباطل من بين