تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 365

مساهمون:

ص٣٦٥
من قبل هدى للناس ، وأنزل الفرقان . إن الذين كفروا بآيات اللّه لهم عذاب شديد ، واللّه عزيز ذو انتقام . إن اللّه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء . هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء ، لا إله إلا هو العزيز الحكيم . هو الذي أنزل عليك الكتاب : منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات . فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله - وما يعلم تأويله إلا اللّه - والراسخون في العلم يقولون : آمنا به ، كل من عند ربنا - وما يذكر إلا أولو الألباب - ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ، وهب لنا من لدنك رحمة ، إنك أنت الوهاب . ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه ، إن اللّه لا يخلف الميعاد » . . هكذا تبدأ السورة في مواجهة أهل الكتاب المنكرين لرسالة النبي - صلى اللّه عليه وسلم - وهم بحكم معرفتهم بالنبوات والرسالات والكتب المنزلة والوحي من اللّه ، كانوا أولى الناس بأن يكونوا أول المصدقين المسلمين . لو أن الأمر أمر اقتناع بحجة ودليل ! هكذا تبدأ السورة في مواجهتهم بهذا الشوط القاطع ، الفاصل في أكبر الشبهات التي تحيك في صدورهم ، أو التي يتعمدون نثرها في صدور المسلمين تعمدا . والكاشف لمداخل هذه الشبهات في القلوب ومساربها . والمحدد لموقف المؤمنين الحقيقيين من آيات اللّه وموقف أهل الزيغ والانحراف ! والمصور لحال المؤمنين من ربهم والتجائهم إليه ، وتضرعهم له ، ومعرفتهم بصفاته تعالى :
« اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ »
. . وهذا التوحيد الخالص الناصع هو مفرق الطريق بين عقيدة المسلم وسائر العقائد ، سواء منها عقائد الملحدين والمشركين ، وعقائد أهل الكتاب المنحرفين : يهودا أو نصارى . على اختلاف مللهم ونحلهم جميعا . كما أنه هو مفرق الطريق بين حياة المسلم وحياة سائر أهل العقائد في الأرض . فالعقيدة هنا تحدد منهج الحياة ونظامها تحديدا كاملا دقيقا .
« اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ »
. . فلا شريك له في الألوهية . .
« الْحَيُّ »
. . الذي يتصف بحقيقة الحياة الذاتية المطلقة من كل قيد فلا شبيه له في صفته . .
« الْقَيُّومُ »
. . الذي به تقوم كل حياة وبه يقوم كل وجود ؛ والذي يقوم كذلك على كل حياة وعلى كل وجود . فلا قيام لحياة في هذا الكون ولا وجود إلا به سبحانه . وهذا مفرق الطريق في التصور والاعتقاد . ومفرق الطريق في الحياة والسلوك . مفرق الطريق في التصور والاعتقاد . بين تفرد اللّه - سبحانه - بصفة الألوهية وذلك الركام من التصورات الجاهلية : سواء في ذلك تصورات المشركين - وقتها في الجزيرة - وتصورات اليهود والنصارى - وبخاصة تصورات النصارى . ولقد حكى القرآن عن اليهود أنهم كانوا يقولون : عزيز ابن اللّه . كما أن الانحراف الذي سجله ما يعتبره اليهود اليوم « الكتاب المقدس » يتضمن شيئا كهذا . كما جاء في سفر التكوين : الإصحاح السادس « 1 » .
هامش
( 1 ) « وحدث لما ابتدأ الناس يكثرون على الأرض وولد لهم بنات ، أن أبناء اللّه رأوا بنات الناس أنهن حسنات ، فاتخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا . فقال الرب لا يدين روحي في الإنسان إلى الأبد . لزيغانه هو بشر وتكون أيامه مائة وعشرين سنة . كان في الأرض طغاة في تلك الأيام . وبعد ذلك أيضا إذ دخل بنو اللّه على بنات الناس وولدن لهم أولادا . هؤلاء هم الجبابرة الذين منذ الدهر ذوو اسم » .