إذا أخذنا بالروايات التي تقول : إن الآيات الأولى من هذه السورة إلى بضع وثمانين آية منها قد نزلت في مناسبة قدوم الوفد من نصارى نجران اليمن ، ومناظرته للرسول - صلى اللّه عليه وسلم - في أمر عيسى عليه السلام ، فإن هذا الدرس بجملته يكون داخلا في اطار هذه المناسبة . لولا أن هذه الروايات توقت مجيء ذلك الوفد بالسنة التاسعة للهجرة ، وهي السنة المعروفة في السيرة باسم « عام الوفود » حيث كان الإسلام قد انتهى إلى درجة من القوة والشهرة في الجزيرة العربية كلها - وفيما وراءها كذلك - جعل الوفود من شتى بقاع الجزيرة تفد على النبي - صلى اللّه عليه وسلم - تخطب وده ، أو تعرض التعاهد معه ، أو تستجلي حقيقة أمره .
ونحن كما أشرنا فيما تقدم نحس أن الموضوع الذي تعالجه هذه الآيات ، وطريقة علاجها له ، كلاهما يرجح أن هذه الآيات نزلت مبكرة في السنوات الأولى للهجرة . . ومن ثم فنحن أميل إلى اعتبار ما ورد في هذه السورة من حجاج وجدل مع أهل الكتاب ، ونفي للشبهات التي تضمنتها معتقداتهم المنحرفة ، أو التي تعمدوا نثرها حول صحة رسالة النبي - صلى اللّه عليه وسلم - وحقيقة عقيدة التوحيد الإسلامية ، وكذلك ما اقتضاه كيد أهل الكتاب من تحذير للجماعة المسلمة وتثبيت . . نحن أميل إلى اعتبار هذا كله غير مقيد بحادث وفد نجران في السنة التاسعة ؛ وأنه كانت هناك مناسبات أخرى مبكرة هي التي نزل فيها هذا القرآن من هذه السورة .
ومن ثم سنمضي في استعراض هذه النصوص بوصفها مواجهة لأهل الكتاب غير مقيد بهذا الحادث الخاص المتأخر في التاريخ « 1 » .
على أن هذه النصوص - كما قلنا في التمهيد للسورة - تكشف عن الصراع الأصيل الدائم بين الجماعة المسلمة وعقيدتها ، وبين أهل الكتاب والمشركين وعقائدهم . . هذا الصراع الذي لم يفتر منذ ظهور الإسلام - وبخاصة منذ مقدمه إلى المدينة وقيام دولته فيها - والذي اشترك فيه المشركون واليهود اشتراكا عنيفا يسجله القرآن تسجيلا رائعا دقيقا .
ولا عجب أن يشاركهم بعض رجال الكنيسة في أطراف الجزيرة العربية في صورة من الصور . ليس بعيدا عن الواقع أن يفد أفراد منهم أو جماعات لمناظرة النبي - صلى اللّه عليه وسلم - ومجادلته في المواضع التي يظهر فيها الاختلاف بين عقائدهم المنحرفة والعقيدة الجديدة القائمة على التوحيد الخالص الناصع - وبخاصة فيما يتعلق بصفة عيسى عليه السلام .
وفي هذا الدرس منذ ابتدائه تحديد لمفرق الطريق بين عقيدة التوحيد الخالصة الناصعة والشبهات والانحرافات .
وتهديد لمن يكفر بالفرقان وآيات اللّه فيه ، واعتبارهم كفارا ولو كانوا من أهل الكتاب ! وبيان لحال المؤمنين
هامش
( 1 ) يذكر الأستاذ محمد عزة دروزة في كتابه القيم : ( سيرة الرسول : صورة مقتبسة من القرآن الكريم ) أنه « يستفاد من الروايات أن هذا الوفد قد قدم إلى المدينة في الربع الأول من الهجرة » ولا أدري إلى أي الروايات استند في تحديد هذا التاريخ . فكل الروايات التي رجعت إليها تحدد العام التاسع أو لا تذكر إلا قصة وفد نجران مع بقية الوفود ( ومعروف أن عام الوفود هو العام التاسع ) .
نعم ذكر ابن كثير في التفسير احتمال أن قدوم وفد نجران كان قبل الحديبية ولم يقل علام استند في هذا الاحتمال ، ولم يحدد رواية عن السلف يستند إليها في هذا الاحتمال .
وعلى أية حال . فإن احتمال نزول هذه الآيات في وفد نجران متعلق باحتمال أن الوفد قدم قبل الحديبية . فإذا صح هذا صح ذلك .
أما إذا اعتمدنا الروايات الكثيرة عن توقيت قدوم وفد نجران عام الوفود في السنة التاسعة ، فإننا نجد أنفسنا مضطرين للفصل بين هذه الآيات والمناسبة التي تذكر الروايات أنها نزلت فيها .