فتخرجون منه صدقاتكم ! بينما هو - سبحانه - يحمد لكم الطيب حين تجرحونه ويجزيكم عليه جزاء الراضي الشاكر .
وهو اللّه الرازق الوهاب . . يجزيكم عليه جزاء الحمد وهو الذي أعطاكم إياه من قبل ! أي إيحاء ! وأي إغراء ! وأي تربية للقلوب بهذا الأسلوب العجيب ! 268 - ولما كان الكف عن الإنفاق ، أو التقدم بالرديء الخبيث ، إنما ينشأ عن دوافع السوء ، وعن تزعزع اليقين فيما عند اللّه ، وعن الخوف من الإملاق الذي لا يساور نفسا تتصل باللّه ، وتعتمد عليه ، وتدرك أن مرد ما عندها إليه . . كشف اللّه للذين آمنوا عن هذه الدوافع لتبدو لهم عارية ، وليعرفوا من أين تنبت النفوس ؛ وما الذي يثيرها في القلوب . . إنه الشيطان . .
« الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ ، وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا ، وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ . يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ، وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ »
. .
الشيطان يخوفكم الفقر ، فيثير في نفوسكم الحرص والشح والتكالب . والشيطان يأمركم بالفحشاء - والفحشاء كل معصية تفحش أي تتجاوز الحد ، وإن كانت قد غلبت على نوع معين من المعاصي ولكنها شاملة . وخوف الفقر كان يدعو القوم في جاهليتهم لوأد البنات وهو فاحشة ؛ والحرص على جمع الثروة كان يؤدي ببعضهم إلى أكل الربا وهو فاحشة . . على أن خوف الفقر بسبب الإنفاق في سبيل اللّه في ذاته فاحشة . .
وحين يعدكم الشيطان الفقر ويأمركم بالفحشاء يعدكم اللّه المغفرة والعطاء :
« وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا »
. .
ويقدم المغفرة ، ويؤخر الفصل . . فالفضل زيادة فوق المغفرة . وهو يشمل كذلك عطاء الرزق في هذه الأرض ، جزاء البذل في سبيل اللّه والإنفاق .
« وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ »
. .
269 - يعطي عن سعة ، ويعلم ما يوسوس في الصدور ، وما يهجس في الضمير ، واللّه لا يعطي المال وحده ، ولا يعطي المغفرة وحدها . إنما يعطي « الحكمة » وهي توخي القصد والاعتدال ، وإدراك العلل والغايات ، ووضع الأمور في نصابها في تبصر وروية وإدراك :
« يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ ، وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً »
. .
أوتي القصد والاعتدال فلا يفحش ولا يتعدى الحدود ؛ وأوتي إدراك العلل والغايات فلا يضل في تقدير الأمور ؛ وأوتي البصيرة المستنيرة التي تهديه للصالح الصائب من الحركات والأعمال . . وذلك خير كثير متنوع الألوان . .
« وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ »
. .
فصاحب اللب - وهو العقل - هو الذي يتذكر فلا ينسى ، ويتنبه فلا يغفل ، ويعتبر فلا يلج في الضلال . .
وهذه وظيفة العقل . . وظيفته أن يذكر موحيات الهدى ودلائله ؛ وأن ينتفع بها فلا يعيش لاهيا غافلا .
هذه الحكمة يؤتيها اللّه من يشاء من عباده ، فهي معقودة بمشيئة اللّه سبحانه . هذه هي القاعدة الأساسية في التصور الإسلامي : ردّ كل شيء إلى المشيئة المطلقة المختارة . . وفي الوقت ذاته يقرر القرآن حقيقة أخرى :
أن من أراد الهداية وسعى لها سعيها وجاهد فيها فإن اللّه لا يحرمه منها ، بل يعينه عليها :
« وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ »
. . ليطمئن كل من يتجه إلى هدى اللّه أن مشيئة اللّه ستقسم له الهدى وتؤتيه