ومن ثم
قال صلى اللّه عليه وسلم : « كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تزهّد في الدنيا وتذكركم الآخرة » .
كما لا خلاف في منع زيارتها إذا حدث في ذلك منكرات وأشياء مما نهى عنه الدين كاختلاط الرجال بالنساء وحدوث فتن لا تحمد عقباها .
ثم نبههم إلى خطأ ما هم فيه ، وزجرهم عن البقاء على تلك الحال التي لها وخيم العاقبة فقال :
( كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ )
أي ازدجروا عن مثل هذا العمل الذي لا تكون عاقبته إلا القطيعة والهجران ، والضغينة والأحقاد ، والجئوا إلى التناصر على الحق ، والتكاثف على أعمال البر ، والتضافر على ما فيه حياة الأفراد والجماعات ، من تقويم الأخلاق ، وتطهير الأعراق ، وإنكم سوف تعلمون عاقبة ما أنتم فيه من التكاثر إذا استمر بكم هذا التفاخر بالباطل بدون عمل صحيح نافع لكم في العقبى .
ثم أكد هذا وزاد في التهديد فقال :
( ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ )
وهذا وعيد بعد وعيد في مقام الزجر والتوبيخ كما يقول السيد لعبده : أقول لك لا تفعل ، ثم أقول لك لا تفعل .
( كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ )
أي ارتدعوا عن تغريركم بأنفسكم ، فإنكم لو تعلمون عاقبة أمركم لشغلكم ذلك عن التكاثر ، وصرفكم إلى صالح الأعمال ، وإنّ ما تدعونه علما ليس في الحقيقة بعلم ، وإنما هو وهم وظن لا يلبث أن يتغير ، لأنه لا يطابق الواقع ، والجدير بأن يسمى علما هو علم اليقين المطابق للواقع ، بناء على العيان والحس ، أو الدليل الصحيح الذي يؤيده العقل ، أو النقل الصحيح عن المعصوم صلى اللّه عليه وسلم .
وإنما ذكر سبحانه هذا زيادة في زجرهم لتغريرهم بأنفسهم ، فقد جرت عادة الغافلين أنهم إذ ذكّروا بعواقب حالهم أن يقولوا : إنهم يعلمون العواقب ، وأنهم في منتهى اليقظة وسداد الفكرة .