بيّنتك فقد جحدوا بينة من قبلك ، وإن أنكروا نبوتك فقد أنكروا آيات اللّه بعد ما استيقنتها أنفسهم .
وإذا كانت هذه حال أهل الكتاب فما ظنك بالمشركين وهم أعرق في الجهالة وأسلس مقادة للهوى .
ثم أنّبهم ووبخهم على ما صاروا إليه من الأفعال ، وعلى ما بلغوه من فساد العقل والضلال فقال :
( وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ )
أي إنهم تفرقوا واختلفوا وهم لم يؤمروا إلا بما يصلح دينهم ودنياهم ، وما يجلب لهم سعادة في معاشهم ومعادهم من إخلاص للّه في السر والعلن ، وتخليص أعمالهم من الشرك به ، واتباع ملة إبراهيم الذي مال عن وثنية أهل زمانه إلى التوحيد وإخلاص العبادة له كما قال :
« ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً »
وقال :
« ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً »
.
والمراد من إقامة الصلاة الإتيان بها مع إحضار القلب لهيبة المعبود ، ليعتاد الخضوع له ، وإيتاء الزكاة إنفاقها فيما عين لها في الكتاب الكريم من المصارف .
( وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ )
أي هذا الذي ذكر من إخلاص العبادة للخالق ، والميل عن الشرك مع إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، هو الدين الذي جاء في الكتب القيمة .
وقصارى ما سلف - إن أهل الكتاب افترقوا في أصول الدين وفروعه ، مع أنهم ما أمروا إلا بأن يعبدوا اللّه ويخلصوا له في عقائدهم وأعمالهم ، وألا يقلدوا فيها أبا ولا رئيسا ، وأن يردوا إلى ربهم وحده كل ما يعرض لهم من خلاف .
وهذا ما نعاه اللّه من حال أهل الكتاب في افتراقهم في دينهم ، فما بالنا نحن المسلمين وقد ملأنا ديننا بدعا ومحدثات ، وتفرقنا فيه شيعا ، أفليس ما نحن فيه من ذلّ وهوان ، وضعف بين الأمم جزاء من ربنا لما صرنا إليه من انحراف عن منهج الشرع القويم ، والسير على الصراط المستقيم ؟ .