تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
لأنهم يستعملونهما فيما يرضى ربهم ، ويعود عليهم بالنفع في دينهم ودنياهم . ثم حذر من الطغيان وأنذر من عاقبته ، وأبان أن ما بيد الطاغي عارية ، وليست نفسه بباقية ، وأن مرجع الأمر كله للّه فقال :
( إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى )
أي إن المرجع إلى ربك وحده ، وهو مالك أمرك وما تملك ، وسيتبين لك عظيم غرورك حينما تخرج من هذه الحياة ، وتظهر في مظهر الذل ، وتحاسب على كل ما اجترحته في حياتك الأولى ، قلّ أو كثر ، عظم أو حقر كما قال :
« وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ، إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ ، مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ »
. ثم أعقب ما تقدم بالوعيد والتهديد والتعجيب فقال :
( أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى . عَبْداً إِذا صَلَّى )
أي أخبرني عن حال هذا الأحمق ، فإن أمره لعجب ، فقد بلغ به الكبر والتمرد والعناد أن ينهى عبدا من عبيد اللّه عن صلاته ويعتقد أنه يجب عليه طاعته ، وهو ليس بخالق ولا رازق ، فكيف يستسيغ ذلك لنفسه ، ويعرض عن طاعة الخالق الرازق . و قد روى أن عليا كرم اللّه وجهه رأى قوما يصلون قبل صلاة العيد فقال : ما رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يفعل ذلك ، فقيل له : ألا تنهاهم ؟ فقال : أخشى أن أدخل تحت قوله تعالى :
« أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى »
.
( أَ رَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى . أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى )
أي أخبرني عن حال ذلك الطاغية لو تخلق بأخلاق المصلحين ، ودعا إلى البر وتقوى اللّه ، أما كان ذلك خيرا له من الكفر به والنهى عن طاعته ، فإن ذلك يفوّت عليه أعلى المراتب ، ويجعله في أحط الدركات وأدناها .