تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 202

مساهمون:

ص٢٠٢
منه في حال الفقر والمسكنة ، لأنه في حال فقره لا يتمنى إلا سلامة نفسه وأعضائه ، أما في حال الغنى فيتمنى ذلك ويتمنى سلامة مماليكه وأتباعه وأمواله . ألا يعلم أنه راجع إلى ربه فمجازيه على ما يعمل ؟ وقد بلغ من حمقه أن يأمر وينهى ، وأنه يوجب على غيره طاعته ، ثم هو بعد ذلك يعرض عن طاعة ربه . أما ينبغي له أن يهتدى ويشتغل بأمر نفسه ؟ فمن كان ذا عقل ورأى وثروة وجاه وأعوان ، واختار الهدى ، وتخلق بأخلاق المصلحين ، كان ذلك خيرا له ، وأجدى . وإنا لننكلنّ به نكالا شديدا في العاجلة ، ونهيننّه يوم العرض والحساب ، وليدع أمثاله من المغرورين ، فإنهم لن يمنعوه ، ولن ينصروه ثم ختم السورة بأمره بالتوفر على عبادة ربه فعلا وإبلاغا للناس ، مبتغيا بذلك القربى منه .

الإيضاح

( كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى )
أي حقا إن أمر الإنسان لعجيب فإنه متى أحسّ من نفسه قدرة وثروة خرج من الحد الذي يجب أن يكون عليه ، واستكبر عن الخشوع لربه ، وتطاول بأذى الناس ، وعدّ نفسه فوقهم جميعا ، وقد كان من حقه أن يكون وإياهم أعضاء أسرة واحدة يتعاونون في السراء والضراء . ويحب الخير لهم كما يحب لنفسه . روى البخاري : « المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا » . و روى عن علىّ في نصيحته لابنه الحسن : أحب الخير لغيرك كما تحب لنفسك ، واكره له ما تكره لها . وقد حكم على الإنسان باعتبار الأعم الأغلب في أفراده ، وإلا فإن الغنى والقوة في أيدي الأتقياء من وسائل الخير ، وأفضل أسباب السعادة الدنيوية والأخروية ،