تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
ثم ذكر المحلوف عليه فقال :
( لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ )
أي لقد خلقنا الإنسان في أحسن صورة ، فجعلناه مديد القامة ، حسن البزّة ، يتناول ما يريد بيده لا كسائر الحيوان يتناول ما يريد بفيه ؛ إلى أنه خصه بالعقل والتمييز والاستعداد لقبول العلوم والمعارف ، واستنباط الحيل التي بها يستطيع أن يكون له السلطان على جميع الكائنات ، وله من الحول والطّول ما يمتد إلى كل شئ . لكن قد غفل عما ميّز به ، وظنّ نفسه كسائر المخلوقات ، وراح يعمل ما لا يبيحه له العقل ، ولا ترضى عنه الفطرة ، وانطلق يتزوّد من متاع الدنيا والاستمتاع بشهواتها ما استطاع إلى ذلك سبيلا ، وأعرض عن النظر فيما ينفعه في معاده ، وما يرضى به ربه وما يوصله إلى النعيم المقيم ،
« يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ »
. وهذا ما أشار إليه بقوله :
( ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ )
أي إنه استشرى فيه الفساد ، وأمعن في سبيل الضلالة ، ونسي فطرته وعاد إلى حيوانيته ، وتردّى في هاوية الشرور والآثام ، إلا من عصمهم اللّه فظلوا على فطرتهم التي فطرهم عليها ، وهم من عناهم سبحانه بقوله :
( إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ )
أي إلا الذين أشربت قلوبهم عقيدة الإيمان ، وعرفوا أن لهذا الكون موجدا دبّر أمره ، ووضع لخلقه شرائع يسيرون على نهجها ، وأيقنوا أن للشر جزاء وللخير مثله . وهؤلاء سيعطون أجر صالح أعمالهم إذا انتقلوا إلى الحياة الثانية ، وهم أتباع الأنبياء ومن هداهم اللّه إلى الحق من كل أمة . ثم وبخ المشركين على التكذيب بالجزاء بعد ظهور الدليل عليه فقال :
( فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ؟ )
أي فأىّ سبب يحملك أيها الإنسان على التكذيب