تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
صلى اللّه عليه وسلم فإنه قد ضاق به الأمر في بادئ أمره قبل النبوة وبعدها إذ تألب عليه قومه ، لكن ذلك لم يثنه عن عزمه ، ولم يقلل من حدّه ، بل صبر على مكروههم وألقى بنفسه في غمرات الدعوة متوكلا على ربه ، محتسبا نفسه عنده ، راضيا بكل ما يجد في هذا السبيل من أذى ، ولم تزل هذه حاله حتى قيض اللّه له أنصارا أشربت قلوبهم حبه ، وملئت نفوسهم بالرغبة الصادقة في الدفاع عنه وعن دينه ، ورأوا أن لا حياة لهم إلا بهدم أركان الشرك والوثنية ، فاشتروا ما عند اللّه من جزيل الثواب بأرواحهم وأموالهم وأزواجهم ، ثم كان منهم من فوّض دعائم الأكاسرة ، وأباد جيوش الأباطرة والقياصرة . وقصارى ذلك - إنه مهما اشتد العسر ، وكانت النفس حريصة على الخروج منه ، طالبة كشف شدته ، مستعملة أجمل وسائل الفكر والنظر في الخلاص منه ، معتصمة بالتوكل على ربها ، فإنها ولا ريب ستخرج ظافرة مهما أقيم أمامها من عقبات واعترضها من بلايا ومحن وفي هذا عبرة لرسوله صلى اللّه عليه وسلم بأنه سيبدّل حاله من الفقر إلى الغنى ، ومن قلة الأعوان إلى كثرة الإخوان ، ومن عداوة قومه إلى محبتهم إلى أشباه ذلك . ثم أعاد الأسلوب للتوكيد فقال :
( إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً )
إذا احتملت ذلك العزيمة الصادقة ، وعملت بكل ما أوتيت من قوة على التخلص منه ، وقابلت ما يقع من عسر بالصبر والأخذ بأسباب تفريجه ولم تستبطئ الفرج ، فيدعوها ذلك إلى التواني ، وفتور العزيمة . وبعد أن بين نعمه على رسوله ووعده بتفريج كربه - طلب منه أن يقوم بشكر هذه النعم بالانقطاع لصالح العمل والاتكال عليه دون من عداه فقال :
( فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ )
أي فإذا فرغت من عمل فاتعب في مزاولة عمل آخر ، فإنك ستجد في المثابرة لذة تقرّبها عينك ويثلج لها صدرك .
تفسير المراغي — صفحة 191 | أحمد مصطفى المراغي