تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
يفكر في دين اليهودية ، ثم يرى اليهود أنفسهم ليسوا على حال خير من حال قومه ، إذ بدلوا دينهم ، وخالفوا ما كان عليه رسولهم ، فيبدو عليه الإعراض عنه ، ثم يفكر في دين عيسى عليه الصلاة والسلام ، فيرى النصارى على حال شر من حال اليهود ، فيرجع عن التفكير فيه ، وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب ، ولا يعرف ما حوته تلك الأديان من الأحكام والشرائع . وأعظم أنواع حيرته ما كان يراه في العرب أنفسهم من سخف في العقائد ، وضعف في البصائر ، باستيلاء الأوهام عليهم وفساد أعمالهم ، وشؤمها في أحوالهم ، بتفرق الكلمة ، وتفانيهم في سفك الدماء ، والإشراف على الهلاك باستبعاد الغرباء لهم وتحكمهم فيهم ؛ فالحبشة والفرس من جانب ، والرومان من جانب آخر . فما العمل في تقويم عقائدهم ، وتخليصهم من تحكم العادات فيهم ؟ وأىّ الطرق ينبغي أن يسلك في إيقاظهم من سباتهم ؟ وقصارى ذلك ، إنه كان في قرارة نفسه يعتقد أن قومه قد ضلوا سواء السبيل ، وبدلوا دين أبيهم إبراهيم ، وكانت حال أهل الأديان الأخرى ليست خيرا من حالهم لكن الإله الحكيم لم يتركه ونفسه ، بل أنزل عليه الوحي ببين له أوضح السبل كما قال :
« وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ »
.
( وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى )
أي إنك كنت فقيرا لم يترك لك والدك من الميراث إلا ناقة وجارية ، فأغناك بما أجراه لك من الريح في التجارة ، وبما وهبته لك خديجة من مالها . وخلاصة ما تقدم - إن من آواك في يتمك ، وهداك من ضلالك ، وأغناك من فقرك ، لا يتركك في مستقبل أمرك . وبعد أن بين نعمه السابقة طالبه بشكر هذه النعم وأداء حقها فقال :