تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦

الإيضاح

( فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى )
أي فأما من أعطى المال وأنفقه في وجوه الخير ، سواء كان واجبا عليه أم لا كالصدقات والنوافل كفك الأسارى وتقوية المسلمين على عدوهم ، وابتعد عن كل ما لا ينبغي ، فحمى نفسه عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، وخاف من إيصال الأذى إلى الناس .
( وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى )
أي وصدق بثبوت الفضيلة والعمل الطيب ، ونحو ذلك مما هو مركوز في طبيعة الإنسان ، وهو مصدر الصالحات وأفعال البر والخير . ولا يكون تصديقا حقا ، ولا ينظر اللّه إليه إلا إذا صدر عنه الأثر الذي لا ينفك عنه وهو بذل المال ، واتقاء مفاسد الأعمال . وكثير من الناس يظن نفسه مصدّقا بفضل الخير على الشر ؛ ولكن هذا التصديق يكون سرابا في النفس ، خيّله الوهم ، لأنه لا يصدر عنه ما يليق به من الأثر ، فتراه قاسى القلب ، بعيدا عن الحق ، بخيلا في الخير ، مسرفا في الشر . ثم ذكر جزاءه على ذلك فقال :
( فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى )
أي فسنهيئه لأيسر الخطتين وأسهلهما في أصل الفطرة ، وهو تكميل النفس إلى أن تبلغ المقام الذي تجد فيه سعادتها ؛ فالإنسان إنما يمتاز عن غيره من الحيوان بالتفكير في الأعمال ووزنها بنتائجها . فإذا حصل ذلك وظهرت آثاره فيها سهل اللّه له ما هو مسوق إليه بأصل فطرته . وفاعل الخير للخير يجد أريحيّة في نفسه ، ويذوق لذة لا تعد لها لذة ، فتزيد فيه رغبته ، وتشتد لفعله عزيمته ؛ وهذا هو التيسير الإلهى الذي يوفق اللّه له الصالحين من عباده .
( وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى )
أي وأما من أمسك ماله أو أنفقه في شهواته ، ولم ينفقه فيما يقرب من ربه ، وخدعته ثروته وجاهه ، فظن أنه بذلك لا يحتاج إلى أحد ولا يحس