تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
وبينا لهم العقائد تعليما وإرشادا ، ثم هو بعد ذلك يختار أحد السبيلين : سبيل الخير والفلاح ، والسبيل المعوجّ فيتردّى في الهاوية . وقصارى ذلك - إن الإنسان خلق نوعا ممتازا عن سائر الحيوان بما أوتيه من العقل ، وبما وضع له من الشرائع التي تهديه إلى سبيل الرشاد . ثم زاد الأمر توكيدا فأبان عظيم قدرته فقال :
( وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى )
أي وإنا لنحن المالكون لكل ما في الدنيا وكل ما في الآخرة ، فنهب ما نشاء لمن نريد ، ولا يضيرنا أن يترك بعض عبادنا الاعتداء بهدينا الذي بيّناه لهم ، ولا يزيد في ملكنا اهتداء من اهتدى منهم ، لأن نفع ذلك وضره عائد إليهم ، فمن اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ، ومن ضل فإنما يضل عليها ، وما ربك بظلام للعبيد . وإذا كان ملك الحياتين للّه كان هديه هو الذي يجب اتباعه فيهما ، لأن المالك لأمر عالم بوجوه التصرف فيه . ثم بين سبيل الهداية الذي أوجبه على نفسه فقال :
( فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى . لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى . الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى )
أي لرحمتنا بكم وعلمنا الكامل بمصالحكم أسدينا إليكم الهدى ، فأنذرناكم نارا تلتهب يعذب فيها من كذب الرسول صلى اللّه عليه وسلم فيما جاء به عن ربه من الآيات ، وأعرض عن اتباع شرائعه ، وانصرف عن وجهة الحق ولم يعد إليها تائبا نادما .
( وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى )
أي وسيبعد عنها المبالغ في اتقاء الكفر والمعاصي ، الشديد التحرز منهما بحيث لا يخطرهما له ببال . ثم وصف الأتقى بأفضل مزاياه فقال :
( الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى )
أي إن الأتقى هو الذي ينفق أمواله في وجوه البر ، طالبا بذلك طهارة نفسه وقربها من ربه ، لا مريدا بذلك رياء ولا سمعة ولا طالبا مديح الناس له ، فإن ذلك ضرب من النفاق الذي يبطل معه العمل ، ولا يكون