تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦

المعنى الجملي

بعد أن ذكر سبحانه مجىء يوم القيامة ، وبين أن الناس حينئذ صنفان أشقياء وسعداء ؛ وأن الأشقياء يكونون في غاية الذل والهوان ، وأن السعداء يكونون يومئذ مستبشرين بادية على وجوههم علائم المسرة - أعقب هذا بإقامة الحجة على الجاحدين المنكرين لذلك ، وتوجيه أنظارهم إلى آثار قدرته فيما بين أيديهم ، وما يقع تحت أبصارهم من سماء تظلّ ، وأرض تقلّ ، وإبل ينتفعون بها في حلّهم وترحالهم ، ويأكلون من لحومها وألبانها ويلبسون من أوبارها ، وجبال تهديهم في تلك الفيافي والقفار . أخرج عبد بن حميد في آخرين عن قتادة قال : لما نعت اللّه تعالى ما في الجنة تعجب من ذلك أهل الضلالة ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآيات .

الإيضاح

( أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ )
أي أينكر هؤلاء المشركون ما ذكرنا من أمر البعث وما يتصل به من سعادة وشقاء ، ويستبعدون وقوعه ، ولا يتدبرون في الإبل التي هي نصب أعينهم ، ويستعملونها في كل حين ؟ ولو أنهم تدبروا في خلقها لرأوا خلقا بديعا لا يشاكل خلق أكثر الحيوان ، فلها من عظم الجثة ، وشدة القوة ، وعظيم الصبر على الجوع والعطش ما لا يشاركها فيه حيوان آخر - إلى أنها تحتمل المشاقّ ، وتنهض بالأوقار ، وتقطع شاسع المسافات ، حتى لقبوها : سفينة الصحراء - قال شاعرهم :
ما فرّق الألا * ف بعد اللّه إلا الإبل
وما غراب * البين إلا ناقة أو جمل
إلى أنها تنقاد للصغير والكبير وتحمل أذاهما . قال العباس بن مرداس :
وتضربه الوليدة بالهراوى * فلا غير لديه ولا نكير