تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
وعظك إلا تماديا في الجحود والإنكار
« فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ »
حرصا على إيمانهم ، وحزنا على بقائهم على كفرهم ، وادع من تعلم أنه يجيبك ولا يجبهك ولا يؤذيك ؛ وإلى ذلك أشار بقوله :
( سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى )
أي إنما ينتفع بتذكيرك من يخشى اللّه ويخاف عقابه ، لأنه هو الذي يتأمل في كل ما تذكره له ، فيتبين له وجه الصواب ، ويظهر له سبيل الحق الذي يجب المعوّل عليه . وفي التعبير بقوله
( سَيَذَّكَّرُ )
إيماء إلى أن ما جاء به الرسول بلغ حدّا من الوضوح لا يحتاج معه إلا إلى التذكير فحسب ، وإنما الذي يحول بينهم وبين اتباعه واقتفاء آثاره - تقليد الآباء والأجداد فكأنهم عرفوه واستيقنوا صحته ، ثم زالت هذه المعرفة بانتهاجهم خطة آبائهم من قبل . ثم أشار إلى عدم جدواها بالنظر للمعاندين الجاحدين فقال :
( وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى . الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى )
أي ويبتعد عن هذه التذكرة المعاند المصرّ على الجحود عنادا واستكبارا ، وهو الذي يذوق حر النار الكبرى في دركات جهنم كما قال :
« إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ »
إذ لا يليق بحكمة الحكيم المتعالي أن يسوّى بين من اجترأ عليه وتهاون بأمره وارتكب أشنع الذنوب ومن كان نقىّ الصحيفة ميمون النقيبة ، مطيعا لأمره ، مؤديا فرائضه منتهيا عن الفحشاء والمنكر . وقصارى ما سلف - إن الناس بالنظر إلى دعوة الرسول صلى اللّه عليه وسلم أقسام ثلاثة : ( 1 ) عارف صحتها ، موقن بصدقها ، لا يدور بخلده تردّد ولا شكّ ، وهذا هو المؤمن الكامل الذي يخشى ربه . ( 2 ) متردد متوقف إلى أن يقوم لديه البرهان ، فإذا هو سنح له بادر إلى التصديق بها ، وهذا أدنى من سابقه .
تفسير المراغي — صفحة 126 | أحمد مصطفى المراغي