تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
قال الفراء وثعلب : المراد أنه كان جسدا مصوّرا ترابا وطينا لا يذكر ولا يعرف ولا يدرى ما اسمه ولا ما يراد به ، ثم نفخ فيه الروح فصار مذكورا . وفي الآية ما يشير إلى ما قاله علماء طبقات الأرض ( الجيلوجيا ) من أن الإنسان لم بوجد على الأرض إلا بعد خلقها بأحقاب طوال ، فقد كانت الأرض أوّلا ملتهبة بعد أن انفصلت من الشمس ، ثم أخذت قشرتها تبرد بالتدريج ، وأمكن أن ينبت فيها النبات ، ثم بعض الطيور ، ثم بعض الحيوان الداجن ، ثم الإنسان ؛ وقد بينا ذلك عند تفسير قوله تعالى
« هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ » *
وذكرنا هناك أن الأيام هي الأطوار التي مر عليها خلق السماوات والأرض إلى آخر ما قلنا هناك . ثم أتبع ذلك بذكر العناصر الداخلة في تكوين الإنسان فقال :
( إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ )
أي إنا خلقنا الإنسان من نطفة اختلط فيها ماء الرجل بماء المرأة ، مريدين ابتلاءه واختباره بالتكليف فيما بعد إذا شبّ وبلغ الحلم . قال الحسن : نختبر شكره في السراء ، وصبره في الضراء . وروى عن ابن عباس رضى اللّه عنهما قال : الأمشاج الحمرة في البياض والبياض في الحمرة . وهذا قول يختاره كثير من أهل اللغة ، قال الهذلي يصف سهما :
كأن الريش والفوقين منه * خلاف النّصل سيط به مشيج
وقال قتادة : هي أطوار الخلق ، طورا نطفة ، وطورا علقة ، وطورا مضغة ، وطورا عظاما ، ثم تكسى العظام لحما كما قال في سورة المؤمنين :
« وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ »
الآية . ثم ذكر أنه أعطاه ما يصح معه الابتلاء والامتحان ، وهو السمع والبصر فقال :
( فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً )
أي جعلناه كذلك ليتمكن من استماع الآيات ومشاهدة الدلائل والتعقل والتفكر .