تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 81

مساهمون:

ص٨١
وبهذه الآية استدل السلف على وجوب الوفاء بالوعد ، وبما ثبت في السنة من قوله صلى اللّه عليه وسلم « آية المنافق ثلاث : إذا وعد أخلف ، وإذا حدّث كذب ، وإذا اؤتمن خان » . ثم بين شدة قبح ذلك وأنه بلغ الغاية في بغض اللّه له فقال :
( كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ )
أي عظم جرما عند اللّه أن تقولوا ما لا تفعلون . ذاك أن الوفاء بالوعد دليل على كريم الشيم ، وجميل الخصال ، وبه تكون الثقة بين الجماعات ، فترتبط برباط المودة والمحبة حين يتعامل بعض أفرادها مع بعض ، ويكونون يدا واحدة فيما انتووا من الأعمال ، والعكس بالعكس ، فإذا فشا في أمة خلف الوعد قلّت الثقة بين أفرادها ، وانحلت عرا الروابط بينهم ، وأصبحوا عقدا متناثرا لا ينتفع به ، ولا يخشى منهم عدوّ إذا اشتدت الأزمات ، وعظمت الخطوب ، لما يكون بينهم من التواكل ، وعدم ائتمان بعضهم بعضا . وبعد أن ذمّ المخالفين في أمر القتال وهم الذين وعدوا ولم يفعلوا ، مدح الذين قاتلوا في سبيله وبالغوا فيه فقال :
( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ )
أي إن اللّه يحب الذين يصفّون أنفسهم حين القتال ولا يكون بينهم فرج فيه كأنهم بنيان متلاحم الأجزاء ، كأنه قطعة واحدة قد صبّت صبا ، وعلى هذه الطريقة تسير الجيوش في العصر الحاضر . وسر هذا أنهم إذا كانوا كذلك زادت قوتهم المعنوية ، وتنافسوا في الطعان والنزال ، والكرّ والفرّ ، إلى ما في ذلك من إدخال الرّوع والفزع في نفوس العدو ، إلى ما لحسن النظام من إمضاء العمل بالدقة والإحكام ، ومن ثم أمرنا بتسوية الصفوف في الصلاة ، وألا يجلس المصلى في صف خلفي إلا إذا اكتمل ما في الصف