تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥

المعنى الجملي

بعد أن حكى مقال المنافقين من أنهم الأعزاء ، وأن المؤمنين هم الأذلاء ، اغترارا بما لهم من مال ونشب ، وأن ذلك هو الذي صدهم عن طاعة اللّه ، وجعلهم يعرضون عن الإيمان باللّه إيمانا حقا ، ويؤدون فرائضه ، ويقومون بما يقربهم من رضوانه ؛ أردف ذلك بنهي المؤمنين أن يكونوا مثلهم في ذلك ، بل عليهم أن يلهجوا بذكر اللّه آناء الليل وأطراف النهار ، ويؤدوا ما فرض عليهم من العبادات ، ولا يشغلهم عن ذلك زخرف هذه الحياة من مال ونشب وأولاد وجاه ، فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل ؛ ثم أمرهم أن ينفقوا أموالهم في أعمال البر والخير ولا يؤخروا ذلك حتى يحل الموت فيندموا حيث لا ينفع الندم ، ويتمنوا أن يطيل اللّه أعمارهم ليعوضوا بعض ما فاتهم ، ولكن أنّى لهم ذلك ؛ ولكل نفس أجل محدود لا تعدوه ، واللّه خبير بما يعملون ، وهو مجازيهم على أعمالهم ، إن خيرا وإن شرّا .

الإيضاح

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ )
أي لا يشغلكم تدبير أموالكم ، والعناية بشؤون أولادكم ، عن القيام بحقوق ربكم ، وأداء فرائضه التي طلبها منكم ، واجعلوا للدنيا حظا من اهتمامكم ، وللآخرة مثله ، وهذا ما عناه الحديث : « اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا ، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا » . وبهذا امتازت الملة الحنيفية السمحة ، فما طلب من المؤمنين أن يكونوا ماديين يتكالبون على جمع حطام الدنيا كما يفعل اليهود ، ولا أن يكونوا روحانيين يجردون أنفسهم من لذات هذه الحياة ، ويتبتلون إلى ربهم كما يفعل المسيحيون ، كما يرشد إلى هذا قوله تعالى :
« قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ
تفسير المراغي — صفحة 115 | أحمد مصطفى المراغي