تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
( يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ )
أي كلما نادى مناد في العسكر ، أو انفلتت دابة أو نشدت ضالة - ظنوا أن العدو قد فجأهم ، وأن أمرهم قد افتضح ، وأنهم هالكون لا محالة ، ولقد قالوا : يكاد المريب يقول خذونى ، ويكاد السارق يقول إذا رأى القيد : ضعوه في يدي ، لما ألقى من الرعب في قلوبهم ، فهم يخافون أن تهتك أستارهم ، وتكشف أسرارهم ، ويتوقعون الإيقاع بهم ساعة فساعة . ونحو الآية قوله تعالى :
« أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ، فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ، فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ »
وقد نظر المتنبي إلى الآية في قوله :
وضاقت الأرض حتى ظن هاربهم * إذا رأى غير شئ ظنه رجلا
( هُمُ الْعَدُوُّ )
الذي بلغ الغاية في العداوة .
( فَاحْذَرْهُمْ )
ولا تأمنهم على سر ، ولا تلتفت إلى ظاهرهم ، فقلوبهم متحرقة حسدا وبغضا ، وأعدى الأعداء العدو المداجى الذي يكاشرك ( يبتسم لك ) وتحت ضلوعه الداء الدوىّ ، والشر المستطير . ثم زاد سبحانه في ذمهم وتوبيخهم ، وعجّب من حالهم فقال :
( قاتَلَهُمُ اللَّهُ )
أي لعنهم اللّه وطردهم من رحمته ، فما أفظع حالهم ، وما أشدهم غفلة عن مآلهم . وهذا تعليم منه لعباده المؤمنين أن يلعنوهم ، فكأنه قال : قولوا قاتلهم اللّه .
( أَنَّى يُؤْفَكُونَ )
أي كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل ، وقد كان لهم مدّكر فيما حولهم ، وفيما أمامهم من صدق الداعي بما أتى به من البينات الدالة على أنه مرسل من ربه . وإن تعجب من شئ فاعجب من جهالتهم وظنهم الفاسد أنهم على الحق ، فما أعظمها محنة ، وأعجب بها نقمة ، جازاهم اللّه بها على سوء أعمالهم ، وقبح فعالهم