تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
وأما في الآخرة فحسبهم جهنم وبئس المهاد . ثم ذكر ما جرأهم على الكذب والاستخفاف بالأيمان المحرجة فقال :
( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ )
أي ذلك الذي فعلوه لسوء سريرتهم ، وقبح طويتهم ، فاستهانوا بما يأتون وما يذرون ، ولم يكن همهم إلا المحافظة على دمائهم وأموالهم ، ومن ثم أظهروا للناس إيمانا وأبطنوا كفرا ، وقد ختم على قلوبهم فلا تهتدى إلى حق ، ولا يصل إليها خير ، ومن جراء ذلك عموا عما نصب من الأدلة على صدق الرسول ، وصمت الآذان عن سماع ما يوجب الإيمان ، فهم صم بكم عمى فهم لا يعقلون . ثم ذكر ما لهم من جمال في الصورة واعتدال في القوام فقال :
( وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ )
أي لاستواء خلقهم ، وجمال صورهم . كما وصفهم بالفصاحة وذرابة اللسان فقال :
( وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ )
لحلاوة منطقهم وحسن توقيع حديثهم فإذا سمعهم سامع أحب أن يصفى إليهم ، وأن يطول حديثهم جهد الاستطاعة . ثم وصفهم بأن أفئدتهم هواء لا عقول لهم ولا أحلام فقال :
( كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ )
أي هم أشباح بلا أرواح ، لهم جمال في المنظر ، وقبح في المخبر ، فسدت بواطنهم ، وحسنت ظواهرهم ، فكانت كالخشب الجوفاء التي نخرها السوس ، فهي مع حسنها لا ينتفع فيها بعمل ، ولا يستفاد منها خير ، وللّه در أبى نواس :
لاتخذ عنك اللحى ولا الصّور * تسعة أعشار من ترى بقر
تراهم كالسراب منتشرا * وليس فيه لطالب مطر
في شجر السّرو منهم مثل * له رواه وما له ثمر
ثم وصفهم بالجبن والذلة فقال :