( أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ )
أي بل هم يقولون نحن واثقون بشوكتنا ، فنحن قوم أمرنا مجتمع ، لا نرام ولا نضام ، وإنا منصورون على من قصدنا بسوء ، أو أراد حربنا وتفريق جمعنا .
وجماع القول - إنه تعالى سدّ عليهم المسالك ، ونقض جميع المعاذير التي ربما تعللوا بها في عدم تصديقهم بالرسول ، وفي كفرهم بآيات ربهم ، فقال لهم : لم لا تخافون أن يحل بكم مثل ما حل بمن قبلكم ؟ أأنتم أقل كفرا وعنادا منهم ، فيكون ذلك سبب الأمن من حلول مثل عذابهم بكم ؟ أم أعطاكم اللّه براءة من عذابه ؟ أم أنتم أعز منهم جندا فأنتم تنتصرون على جند اللّه ؟
ثم رد عليهم مقالهم وأبان لهم أنهم يعيشون في بحر من الأوهام ، وأن قضاء اللّه سيحل بهم ، وسيهزمون ويولون الأدبار متى جاء قضاؤه فقال :
( سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ )
أي سيتفرق شملهم ويغلبون حين يلتقى جيشهم وجيش المؤمنين ، وقد صدق اللّه وعده ، فانهزموا وولوا الأدبار يوم بدر ، وكان هذا دليلا من دلائل النبوة ، فإن الآية نزلت بمكة ولم يكن له صلّى اللّه عليه وسلّم يومئذ جيش ، بل كان أتباعه مشرّدين في الآفاق ، يلاقون العذاب من المشركين في كل صوب ، حتى
لقد قال عمر رضى اللّه عنه : لما نزلت لم أعلم ما هي ؟ فلما كان يوم بدر رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يلبس الدرع ويقول : سيهزم الجمع فعلمته - ثم استمر انهزامهم بعد .
روى البخاري عن ابن عباس : « أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال وهو في قبّة له يوم بدر : أنشدك عهدك ووعدك ، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم في الأرض أبدا ؛ فأخذ أبو بكر رضى اللّه عنه بيده وقال : حسبك يا رسول اللّه ، ألححت على ربك ، فخرج وهو يثب في الدرع ويقول :
« ( سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ . بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ ) »
.