وقوله : وما غوى - ردّ لقولهم إنه شاعر : أي ليس بينه وبين الغواية تعلق وارتباط ، وقوله : والشعراء يتبعهم الغاوون ، وقوله : وما ينطق عن الهوى - ردّ لقولهم كاهن ، وقوله : إن هو إلا وحي يوحى تأكيد لما تقدم ، أي فلا هو بقول كاهن ، ولا هو بقول شاعر .
( عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى )
أي علّم صاحبكم جبريل عليه السّلام وهو شديد القوى العلمية والعملية ، فيعلم ويعمل ، ولا شك أن مدح المعلّم مدح للمتعلم .
وفي هذا رد عليهم في قولهم : إن هو إلا أساطير الأولين ، سمعها وقت سفره إلى الشام .
والخلاصة - إنه لم يعلمه أحد من الناس ، بل علمه شديد القوى ، والإنسان خلق ضعيفا لم يؤت من العلم إلا قليلا - إلى أنه موثوق بقوله ، لأن قوة الإدراك شرط الوثوق بقول القائل ، وكذلك هو موثوق بحفظه وأمانته ، فلا ينسى ولا يحرّف .
( ذُو مِرَّةٍ )
أي ذو حصافة في العقل ، فالوصف الأول إشارة إلى قوة الفعل ، وهذا وصف بقوة النظر وظهور الآثار البديعة منه .
والخلاصة - إنه يجمع بين القوى النظرية والقوى الجسمية كما روى أنه اقتلع قرى قوم لوط من الماء الأسود الذي تحت الثرى وحملها على جناحيه ورفعها إلى السماء ثم قلبها ، وصاح بثمود فأصبحوا جاثمين .
وإنا لنؤمن بهذا على أنه من عالم الغيب ونكتفي بما جاء في كتابه تعالى ولا نزيد عليه .
وإن علماء الأرواح في أوروبا الآن أصبحوا يؤمنون بقوى عالم الروح وبما لها من خوارق العادات بالنظر إلى عالمنا . قال أوليفر لودج : إني أصبحت موقنا بأنا محوطون بعالم نحن بالنسبة إليه كالنمل بالنسبة لنا ، وهم يساعدوننا ويحافظون علينا ، ثم قال :
وقفت على هذا بطريق علمي ( يريد تحضير الأرواح ) ثم قال : فإذا ما قال القدّيسون إنهم رأوا الملائكة أو أنهم رأوا اللّه ، فكل ذلك حق لا مرية فيه اه .