تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١

الإيضاح

( فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ )
أي فذكّر أيها الرسول من أرسلت إليهم من قومك وغيرهم ، وعظهم بالآيات والذكر الحكم ، ولا تكترث بما يقولون مما لا خير فيه من الأباطيل ، وقد انتفت عنك الكهانة والجنون بسبب نعمة اللّه عليك ، وهذا كما يقول القائل : ما أنا بمعسر بحمد اللّه وغناه ، والمراد بذلك الرد على القائلين بذلك وإبطاله ، فإن ما أوتيه من رجاحة العقل ، وعلو الهمة وكرم الفعال ، وصدق النبوة ، لكاف جد الكفاية في دحض هذا وأشباهه . وممن قال إنه كاهن شيبة بن ربيعة ، وممن قال إنه مجنون عقبة بن أبي معيط . ثم ذكر أنهم ترقّوا في الإنكار عليه فقال :
( أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ )
أي بل هم يقولون : هو شاعر نتربص به أحداث الدهر ونكباته من موت أو حادثة متلفة . روى أن قريشا اجتمعت في دار الندوة وذهبت مذاهب شتى في صدّ دعوته صلى اللّه عليه وسلّم ومقابلة هذا الخطر الداهم عليهم ، وما ذا يفعلون في الخلاص منه ، فقال قائل من بنى عبد الدار : تربصوا به ريب المنون ، فإنه شاعر وسيهلك كما هلك زهير والنابغة والأعشى ، ثم افترقوا على هذه المقالة فنزلت الآية . وخلاصة هذا - إنا نبتعد من إيذائه ، ونتقى لسانه ، مخافة أن يغلبنا بقوة شعره ، وإنما سبيلنا معه أن نصبر عليه ونتربص موته كما مات الشعراء من قبله . فأمره اللّه أن يهددهم ويتهكم بهم بقوله :
( قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ )
أي قل لهم : انتظروا وتمهّلوا في ريب المنون ، فإني متربص معكم منتظر قضاء اللّه فىّ وفيكم ، وستعلمون لمن يكون حسن العاقبة ، والظفر في الدنيا والآخرة .
( أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا )
أي بل أتأمرهم أحلامهم بهذا التناقض في القول ،