تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 28

مساهمون:

ص٢٨
ثم بين أنهم في الجنة يتذاكر بعضهم مع بعض في أحوال الدنيا فقال :
( وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ )
أي أقبلوا يسأل بعضهم بعضا في الجنة عن حاله وما كان فيه من تعب الدنيا وخوف العاقبة ، ثم يحمدون اللّه الذي أذهب عنهم الحزن والخوف والهم وما كانوا فيه من الكدر والنكد لطلب المعاش وتحصيل الأرزاق وما وصلوا إليه ، تلذذ بالنعمة واعترافا بها . أخرج البزار عن أنس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « إذا دخل أهل الجنة الجنة ، اشتاقوا إلى الإخوان ، فيجىء سرير هذا حتى يحاذى سرير هذا فيتحدثان فيتكئ ذا ويتكئ ذا فيتحدثان بما كانوا في الدنيا فيقول أحدهما لصاحبه يا فلان أتدرى أىّ يوم غفر اللّه لنا ؟ اليوم الذي كنا في موضع كذا وكذا فدعونا اللّه فغفر لنا » . ثم فصل ما يجيب به بعضهم بعضا فقال :
( قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ . فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ )
أي قالوا : إنا كنا في دار الدنيا ونحن بين أهلها خائفين من ربنا مشفقين من عذابه وعقابه ، فتفضل علينا وأجارنا مما نخاف . والمقصود إثبات خوفهم في سائر الأوقات والأحوال بطريق الأولى ، فإن وجودهم بين أهليهم مظنّة الأمن ، فإذا خافوا في تلك الحال فلأن يخافوا في غيرها بالأولى . روى أن عائشة قالت : « لو فتح اللّه على أهل الأرض من عذاب السموم قدر الأنملة لأحرقت الأرض ومن عليها » . ثم تمموا العلة في استحقاقهم للكرامة في تلك الدار بقولهم :
( إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ )
أي إنا كنا نعبده ونسأله أن يمنّ علينا بالمغفرة والرحمة ، فاستجاب دعاءنا وأعطانا سؤلنا ، لأنه هو المحسن الواسع الرحمة والفضل .