برحمتك نستغيث ، أصلح لنا شأننا كله ، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ، ولا إلى أحد من خلقك .
ثم وصف سبحانه نفسه بالاستغناء المطلق ، والفضل العام ، وأنه ذو الجود والكبرياء ، يعطى خلقه من النعم والإكرام ما يليق بحالهم ، ولا يحجب فضله عن مخلوق خلقه .
انظر إلى هذه النجوم الثواقب في ظلمات الليل ، ترها مشرقة ساطعة تتلألأ نورا تنشرح له الصدور ، وتقرّ به العيون ، فتتجلى لك عظمة الخالق وكبرياؤه ، تموت الأحياء وتلك النجوم باقية ، والأرض لم تتغير على ما نشاهد ، وهذا مظهر الجلال والعظمة ، جمال في النجوم ، بهجة في الإشراق ، مناظر باهرة ، أنوار ساطعة ، أجسام عظيمة ؛ أحوال تتقلب ، وأهوال تتعاقب ، والناس من بينها يخرون صعقين ، فهذا لعمرك هو الجلال والعظمة ، فسبحان الخلاق العظيم .
( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ )
أي فبأي هذه النعم تكذبان ؟ فالفناء باب للبقاء وللحياة الأبدية ، والنعم السرمدية ، ولولا تحليل أجسامنا بالموت لتعطلت الحياة ، إذ المادة الأرضية إذا بقيت على حال واحدة كانت قواها محدودة ، لكن انبعاث الصور الكثيرة وتعاقبها جيلا بعد جيل يلبس المادة جميع الصور والأشكال ويجعل العالم في تجدد مستمر .
انظر إلى بنى الإنسان مثلا إذا توالدوا جيلا بعد جيل ولم يمت منهم أحد ، فلا تمضى إلا أجيال معدودة حتى يكون على القدم ألف قدم ، وتمتلئ الأرض بالآدميين ، فلا يكفيهم حيوان أرضى ولا نبات مأكول ولا يجدون وسيلة للعيش إلا أن يأكل بعضهم بعضا ، وتمتلئ الأرض رمما آدمية من السغب والمخمصة .
والخلاصة - إن في الفناء نعمتين : نعمة الرحمة بتعاقب الأجيال ، ونعمة الخروج من سجن المادة إلى فسيح العالم الروحي وإلى التمتع بنعيم آخر بعد الموت .