تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
وإن الأمم لا تزال في الطّور الأول ، فهي تسعى لإسعاد نفسها بإهلاك سواها ، وسيأتي حين تسعى فيه لإسعاد الجميع ، ويكون فرحها بهذا المسعى أشد من فرحها بهزيمة الأعداء ويكون الناس جميعا بعضهم لبعض كالآباء والأبناء . وإلى حال الكمال أشار سبحانه بقوله :
( حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها )
وإلى حال النقص أشار سبحانه بقوله :
( ذلِكَ )
أي هذا الذي أمرتكم به من قتل المشركين إن لقيتموهم في حرب ، وشدّ وثاقهم في أسرهم ، والمنّ والفداء حتى تضع الحرب أوزارها - هو الحق الذي أمركم به ربكم ، وهو السنة التي جرى عليها لإصلاح حال عباده ، وهي التي ستبقى السنة الطبيعية بين الأمم ما دامت في طور طفولتها ، حتى يتم نضجها العقلي والخلقي فتضع الحرب أوزارها ، إذ لا يكون هناك حاجة إليها ، لأن العالم كله يكون كأسرة واحدة ، سعادته بسعادة أفراده جميعا ، وشقاؤه بشقائهم . ثم بين أن هذه هي السنة التي أرادها اللّه من حرب المشركين ، ولو شاء لانتقم منهم بلا حرب ولا قتال ، فقال :
( وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ )
أي ولو يشاء ربكم لانتصر من هؤلاء المشركين بعقوبة عاجلة ، وكفاكم أمرهم ، ولكنه أراد أن يبلو بعضكم ببعض فيختبركم بهم ، فيعلم المجاهدين منكم والصابرين ويبلوهم بكم ، فيعاقب بأيديكم من شاء ، ويتعظ منهم من شاء بمن أهلك بأيديكم حتى ينيب إلى الحق . وفي الجهاد تقوية لأبدانكم ، ورقىّ لعقولكم ، ونفاذ لكلمتكم ، وجمع لشملكم بما ترون من اتحاد عدوكم ، وبه ترقى الزراعة والتجارة والصناعة وجميع العلوم إذ لا يتم حرب ولا غلبة إلا بها ، وهكذا ترتقى حال الأعداء ، فيتسع العمران ، وتعم المدنية ، ويرقى النوع الإنسانى ، ولا يعيش في هذا الوسط الصاحب إلا الصالح للبقاء والضعيف من الطرفين هالك ، وهذه هي سنة اللّه في الكون .