تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 49

مساهمون:

ص٤٩
وبعد أن نفى المهرب مما قدّر نفى النصير والمعين الذي يمنع حلول المقدور فقال :
( وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ )
أي وما لكم من دون اللّه ولىّ يليكم بالدفاع عنكم إذا أراد عقوبتكم على معصيتكم ، ولا لكم نصير ينصركم إذا هو عاقبكم ، فينتصر لكم ، فاحذروا معاصيه واتقوا مخالفة أوامره ، فإنه لا دافع لعقوبته إذا أحلها بعبد من عباده . ثم ذكر سبحانه آية أخرى من آيات عظمته الدالة على توحيده وصدق ما وعد به فقال :
( وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ )
أي ومن دلائل قدرته ، وباهر حكمته ، وعظيم سلطانه - تسخيره البحر لتجرى فيه الفلك بأمره كالجبال الشاهقة ، والمدن العالية .
( إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ )
أي إن يشأ اللّه الذي قد أجرى هذه السفن في البحر ألا تجرى فيه . أسكن الريح التي تجرى بها ، فتثبت في موضع واحد وتقف على ظهر الماء لا تتقدم ولا تتأخر . ثم أتى بجملة معترضة بين ما مضى وما سيأتي فقال :
( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ )
أي إن في جرى هذه الجواري في البحر بقدرته تعالى - لحجة بينة على قدرته على ما يشاء ، لكل ذي صبر على طاعته ، شكور لنعمه وأياديه عنده . والمؤمن إذا كان في ضراء كان من الصابرين ، وإذا كان في سرّاء كان من الشاكرين ، وقال عون بن عبد اللّه : فكم من منعم عليه غير شاكر ، وكم من مبتلى غير صابر ، وقال قطرب : نعم العبد الصبار الشكور الذي إذا أعطى شكر ، وإذا ابتلى صبر . وقد قيل : الإيمان نصفه صبر ونصفه شكر .
( أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ )
أي وإن يشأ يجعل الرياح عواصف فيغرق السفن بذنوب راكبيها ، ولكنه يعفو عن كثير من ذنوبهم ، ولو آخذهم بجميع ما يجترحون منها لأهلك كل من ركب البحر . . ( 4 - مراغى - الخامس والعشرون )
تفسير المراغي — صفحة 49 | أحمد مصطفى المراغي