تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 47

مساهمون:

ص٤٧
من الآثام ، واقترفتم من الشرور والمعاصي ، ويعفو لكم عن كثير من جرائمكم فلا يعاقبكم بها . فاللّه سبحانه جعل الذنوب أسبابا لها نتائجها ومسبباتها : فشارب الخمر يصاب بكثير من الأمراض الجسمية والعقلية في الدنيا وهي أثر من آثار ما اجترح من الذنب . والتاجر غير الأمين أو الكذاب تصاب تجارته بالكساد ويشهر بين الناس بالخيانة فيحجمون عن معاملته . والحكام المرتشون الظلمة الذين يجمعون أموالهم بالسحت يصابون بالفقر والعدم ويصبحون مثلا بين الناس ، وإن لم يصبهم الفقر بصب أولادهم فيصبحوا بحال يرثى لها ويصيروا أحاديث الخاصة والعامة . والأمم الظالمة التي لا تناصر بين أفرادها ، بل بينها التقاطع ، ويبتز بعض أفرادها أموال بعض آخر ، تصاب بالمهانة بعد العظمة والذلة بعد العزة ، وما الأمثال في ذلك بعزيزة ، فها هي ذي الأمم الشرقية إنما أصابها ما أصابها من الضعف والخمول والاضمحلال ثم الزوال من صفحة الوجود بما اجترحت من ظلم وإفساد في الأرض ، وأكل بعضها أموال بعض واحتجان عظمائها الأموال في خزائنهم ، وابتزازها من أيدي الضعفاء ؛ وقد اقتص اللّه لهم منهم ، فأضاع ملكهم ، وأذهب ريحهم ، وجعلهم لقمة سائغة للمستعمرين الذين تحكموا فيهم وجعلوهم كالعبيد ، يتصرفون فيهم بحسب أهوائهم ، وما تمليه عليهم مصالحهم ، وما يدرّ عليهم الخير لبلادهم وشعوبهم . وفي هذا عبرة لمن ادّكر ، وقد تقدم أن قلنا في غير موضع إن عقاب الأفراد في الدنيا ليس بالمطرد ، إذ كثيرا ما نرى سكيرا عربيدا لا يصاب بأذى مما يفعل ، ونرى تاجرا يخون الأمانة ولا يصاب بكساد في تجارته ، وحينئذ يكون عقاب كل منهما مؤجلا ليوم الحساب إن شاء ربك عاقب ، وإن شاء عفا بعد التوبة عما فرط منهما من الذنوب والآثام . أما عقاب الأمم على ما تجترح من السيئات فهو محقق في الدنيا ، ولدينا عظة التاريخ في القديم والحديث ، فما من أمة تركت أوامر دينها وخالفت نواميس العمران ،