تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
أخرج عبد اللّه بن أحمد في زوائد الزهد والطبراني وجماعة عن أبي الضحى قال : قرأ تميم الداري سورة الجاثية فلما أتى على قوله
« أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ »
الآية لم يزل يكررها ويبكى حتى أصبح وهو عند المقام . وأخرج ابن أبي شيبة عن بشير مولى الربيع بن خيثم أن الربيع كان يصلى فمرّ بهذه الآية
( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ )
فلم يزل يردّدها حتى أصبح . وكان الفضيل بن عياض يقول لنفسه إذا قرأها : ليت شعري من أي الفريقين أنت ؟ . ثم أقام الدليل على عدم التساوي وأبان حكمة ذلك فقال :
( وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ )
أي لم يخلق اللّه السماوات والأرض للجور والظلم ، بل خلقهما للحق والعدل ، ومن العدل أن يخالف بين المحسن والمسئ في العاجل والآجل .
( وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ )
أي وليثيب كل عامل بما هو له أهل ، فلا يبخس المحسن ثواب إحسانه ، أو يحمل عليه جرم غيره فيعاقبه به ، أو يجعل للمسيئ ثواب إحسان غيره . والخلاصة - كل عامل يجزى بما كسبت يداه ، ولا يظلم بنقص ثواب ، ولا بتضعيف عقاب . ثم بين أحوال الكافرين وذكر جناياتهم على أنفسهم فقال :
( أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ ؟ )
أي انظر وأعجب من حال من ركب رأسه ، وترك الهدى ، وأطاع الهوى ، فكأنه جعله إلها يعبده من دون اللّه ، فهو لا يهوى شيئا إلا فعله ، لا يخاف ربا ولا يخشى عقابا ، ولا يفكر في عاقبة ما يعمل . وفي هذا إيماء إلى ذم اتباع هوى النفس ، ومن ثم قال وهب بن منبّه : إذا شككت في خير أمرين فانظر أبعدهما من هواك فأته . وقال سهل التّسترى : هواك داؤك ، فإن خالفته فدواؤك ، وقال الإشبيلي الزاهد :
تفسير المراغي — صفحة 155 | أحمد مصطفى المراغي