وأنكر ما جئت به من عند ربك ، وسل ربك غفران ذنبك وعفوه عنك ، وصلّ شكرا له طرفي النهار كما جاء في الآية الأخرى :
« وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ »
.
وقد يكون المراد من ذلك المواظبة على ذكر اللّه وألا يفتر اللسان عنه ، ولا يغفل القلب حتى يدخل في زمرة الملائكة الذين قال سبحانه في وصفهم :
« يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ »
.
ولما ابتدأ عزّ اسمه بالرد على الذين يجادلون في آيات اللّه واتصل الكلام بعضه ببعض على النسق المتقدم ، نبه هنا إلى السبب الذي يحملهم على تلك المجادلة فقال :
( إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ )
أي إن الذين يخاصمونك أيها الرسول فيما أتيتهم به من عند ربك من الآيات بغير حجة - ما يحملهم على هذا الجدل إلا كبر في صدورهم يمنعهم عن اتباعك وعن قبول الحق الذي جئتهم به ، إذ لو سلموا بنبوتك لزمهم أن يكونوا تحت لوائك وطوع أمرك ونهيك ، لأن النبوة ملك ورئاسة ، وهم في صدورهم كبر لا يرضون معه أن يكونوا في خدمتك ، وما هم ببالغي موجب الكبر وهو دفع الرئاسة والنبوة عنك ، فذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء وليس ذلك بالذي يدرك بالأمانى .
والخلاصة - إنه ما يحملهم على تكذيبك إلا ما في صدورهم من الكبر والحسد لك ، وما هم ببالغي إرادتهم فيه ، فإن اللّه قد أذلهم .
ثم أمر رسوله أن يستعيذ من هؤلاء المجادلين المستكبرين ، فيقيه من أذاهم وشرهم ويكلؤه ويحفظه منهم فقال :
( فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ )
أي فالتجئ إلى اللّه تعالى في دفع كيد من يشنؤك ويبغى عليك ، فهو السميع لأقوالهم ، البصير بأفعالهم ، لا يخفى عليه شئ منها .