تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
أو يرجى فيه المسامحة بشفاعة إنسان ، فاقطعوا أطماعكم عن استنزاله إلى إرادتكم ، واصبروا على عبادة آلهتكم . ثم ذكروا أيضا ما ظنوا أن فيه إبطالا لدعواه فقالوا : ( 2 )
( ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ )
أي ما سمعنا بهذا الذي يدعونا إليه محمد من التوحيد في الملة الآخرة وهي ملة النصارى ، فإنهم يقولون بالتثليث ويزعمون أنه الدين الذي جاء به عيسى عليه السلام وحاشاه ، وإنما خصوا النصرانية لأنها آخر الأديان المعروفة لديهم من أديان أهل الكتاب . ثم أكدوا هذا الإنكار بقولهم .
( إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ )
أي ما هذا إلا افتراء وكذب لا حقيقة له ، وليس له مستند من دين سماوي ولا من عقل فيما يزعمون . ثم أخذوا ينكرون اختصاص محمد صلّى اللّه عليه وسلم بالوحي وهو مثلهم أو أدون منهم في الشرف والرئاسة فيما يزعمون فقالوا : ( 3 )
( أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا ؟ )
أي إنه من البعيد أن يختص محمد من بيننا بإنزال القرآن عليه وفينا ذو الجاه والشرف ، والرئاسة والكياسة كما حكى اللّه عنهم أنهم قالوا :
« لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ »
ثم نعى عليهم تعرّضهم لهذا التفضيل وإعطاء النبوة لمن يريدون فقال : « أهم يقسمون رحمة ربّك ؟ نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدّنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات » فهذا منهم دليل على الجهل وقلة العظة . ثم ذكر أن سبب الاستبعاد هو الشك في أمر القرآن وميلهم إلى التقليد فقال :
( بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي )
أي بل هم في شك من تلك الدلائل التي لو تأملوا فيها لزال هذا الشك عنهم ، إذ هي دالة بأنفسها على صحة نبوته ، ولكنهم حين تركوا النظر والاستدلال لم يصلوا إلى الحق في أمره .