تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
فهم حين سمعوا في أنها في النار قالوا : كيف يكون ذلك والنار تحرق الشجر ؟ مع أن هذا ليس بالعجيب ولا بالمستحيل ، فإن من قدر على خلق حيوان يعيش في النار وينعم فيها ، فهو أقدر على خلق الشجر فيها وحفظه من الاحتراق . ثم وصف هذه الشجرة فقال :
( إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ )
أي إنها شجرة تنبت في قعر النار ، وأغصانها ترتفع إلى أركانها .
( طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ )
أي إن ثمرها في قبح منظره ، وكراهة رؤيته ، كأنه رؤوس الشياطين ؛ والعرب تتخيل رأس الشيطان صورة بشعة لا تعدلها صورة أخرى ، فيقولون لمن يسمونه بالقبح المتناهي : كأن وجهه وجه شيطان ، وكأن رأسه رأس شيطان ، ألا ترى إلى امرئ القيس وقد سلك هذا السبيل ، ونهج هذا النهج فقال :
أيقتلني والمشرفىّ مضاجعى * ومسنونة زرق كأنياب أغوال
وعلى العكس من هذا تراهم يشبهون الصورة الحسنة بالملك ، من قبل أنهم اعتقدوا فيه أنه خير محض لا شر فيه ، فارتسم في خيالهم بأبهى صورة ، وعلى هذا جاء قوله تعالى حكاية عن صواحبات يوسف
« ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ »
. ثم بين أن مآكل أهل النار من هذه الشجرة فقال :
( فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ )
أي فإنهم ليأكلون من ثمرها فيملئون بطونهم منه ، وإن كانوا يعرفون مرارة طعمه ونهاية نتنه وبشاعة رائحته ، ولكن ما ذا يعملون وقد غلب عليهم الجوع ؟ والمضطر يركب الصعب والذلول ، ويستروح من الضرّ بما يقار به فيه . وبعد أن وصف طعامهم وبين شناعته ، أردفه ذكر شرابهم ووصفه بما هو أبشع وأشنع فقال :
( ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ )
أي ثم إنهم بعد أن يشبعوا ويغلبهم العطش
تفسير المراغي — صفحة 63 | أحمد مصطفى المراغي