يستغيثون منه فيغاثون بماء كالمهل قد انتهى حره ، فإذا أدنوه من أفواههم شوى لحوم وجوههم ، وإذا شربوه قطّع أمعاءهم .
ثم ذكر أنهم بعد هذا وذاك لا مأوى لهم إلا نار جهنم وبئس المصير فقال :
( ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ )
أي ثم إن مصيرهم بعد المأكل والمشرب ، لإلى نار تتأجج ، وجحيم تتوقد ، وسعير تتوهج ، فهم تارة في هذه وتارة في تلك كما قال :
« هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ . يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ »
.
والخلاصة - إنهم يؤخذون من منازلهم في الجحيم وهي الدركات التي أسكنوها إلى شجرة الزقوم ، فيأكلون إلى أن تمتلئ بطونهم ثم يسقون الحميم ثم يرجعون إلى تلك الدركات .
ثم علل استحقاقهم للوقوع في تلك الشدائد ، بتقليد الآباء في الدين بلا دليل يستمسكون به فقال :
( إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ . فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ )
أي ثم إنهم وجدوا آباءهم على الضلالة فاتبعوهم بلا برهان ، وأسرعوا إلى تقليدهم بلا تدبر ولا روية ، وكأنهم استحثّوا على ذلك ، وأزعجوا إزعاجا .
وفي هذا دليل على أن التقليد شؤم على المقلّد وعلى من يتبعه ، فالإنسان لا سعادة له إلا بالنظر والبحث في الحقائق الدنيوية والأخروية ، ولو لم يكن في القرآن آية غير هذه في ذم التقليد لكفى .
[ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 71 إلى 74 ]
وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ ( 71 ) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ ( 72 ) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ ( 73 ) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ( 74 )